** إيقاظ وتذكير لطلاب العلم : [ أسباب الشك في بعض كلام العلماء ! ]

 بسم الله الرحمن الرحيم



    ** إيقاظ وتذكير لطلاب العلم : [ أسباب الشك في بعض كلام العلماء ! ] 



     يعرض لكثير من الناس الشك في بعض كلام أهل العلم من المتشرعة ، مما يستدعي التعرف على أسباب ذلك قصد تحقيق ( صحة تناوله )، و ( صواب التعامل معه )، و ( سداد توظيفه ).


    وهذا الشك له جهات :


أ. إما من جهة تقريره : أي هل تقرير الكلام لبيان الحكم التكليفي أو غير ذلك مما يصح أصالة أم أنه خطأ ؟


ب. أو من جهة المراد منه : أي فهمه على ما هو عليه ، والمقصود منه عموما ..


ج. أو من جهة محله : أي هل مجال الكلام العَرْض أم النقض ؟ وهل هو تأصيلي أم في محل التنزيل ؟ وهل هو في موضع التقرير أم في سياق الاستطراد ؟ .. وما أشبه.


د. أو من جهة أحكامه المقاصدية و الوضعية : أي مدى إدراك أهدافه وغاياته ..،  ومعرفة شروطه وضوابطه وقيوده التي قد لا يصرح بها أهل العلم (أحيانا) ، و مخرجات عدم هذا التصريح :


- إما  [ لأنها معلومة بداهة ! ].. 

- أو [ لأنه سبق ذكرها والكشف عنها في مواطن أخرى ! ]..

- أو [ من باب الاعتماد على فهم الطالب وجودة نظره ! ]..

- أو [ مراعاة لأحوال الناس في بعض الظروف اعتبارا للمصلحة الشرعية ! ]..

- أو [  من باب كون العالم لم ينشط  لبسط ذلك وبيانه ! ] 



    وأما جماع ( أسباب هذا الشك) فقد كشف عنها الإمام ابن القيم - رحمه الله - في قوله  : " إنا نعلم بالاضطرار أن مصنفي العلوم على اختلاف أنواعها؛ عَلم الناس مرادهم من ألفاظهم علما يقينيا، وإنما يقع الشك في قليل من كلامهم، ويقل ذلك ويكثر بحسب (القابل) ، و ( قوة إدراكه)، و ( جودة تصوره)، و ( إلفه لكلامهم وغرائبه منه) " الصواعق المرسلة 2/651.


         وبيانها في الآتي :


1.  بحسب القابل : أي بسبب ضعف الاستعداد لقبول الكلام، ولوجود خلل في التجرد ..، وهناك المقل و المستكثر، وهذا [ يرتبط بأهواء النفوس وحظوظها ! ] ..


     ومثاله أن الغضب الذي لم يصل إلى حد إغلاق القصد لا يلغي وقوع الطلاق إذا صدر كما قرره أهل العلم، ولذا فرقوا بين ( الغضب المقلق)، و ( الغضب المطبق )، لكن بعض الناس لايتجردون لهذا الحق عند وقوعهم في هذا الأمر لتعلقه بحظ النفس، حيث من جرى منه ذلك يندم بعد سكونه وذهاب غضبه، ولايريد مفارقة زوجته (!)..


2. أو بحسب قوة الإدراك : أي مدى وجود الإتقان لحقيقة العلم المُتكلم فيه وبه ..، ومدى إحكام الحقائق الشرعية، والمعارف العلمية ..، وهذا [ يرتبط بالتحصيل والتأهيل ! ] .. 


   ومن الأمثلة أن بعض الناس قد يتحسس من القول بعدم وقوع الطلاق في حالة ( الغضب المطبق ) الذي يُغلَق فيه على قصد المرء بدعوى أن المرء قد صرح بالطلاق (!).. 

     فمن الحقائق الشرعية والمعارف العلمية أنه لا عبرة بالقول أو الفعل في حالة انغلاق القصد والتمييز، ومن أسباب هذا الغَلْق : ( الغضب الشديد )..


     قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - عند قوله عليه الصلاة والسلام : ( أخطأ من شدة الفرح) في حق الرجل الذي وجد راحلته : " وسكرة الفرح فوق سكرة الشراب ..، بل قد يكون سكر الغضب أقوى من سكر الطرب، ولهذا قال النبي - عليه الصلاة والسلام - : ( لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان ). ولا يستريب من شم رائحة الفقه أن الغضب إذا وصل بصاحبه إلى هذه الحال فطلق لم يقع طلاقه ...، وذلك لأن الغضبان قد انغلق عليه باب القصد والتمييز بشدة غضبه .. " مدارج السالكين 3/288.


3. أو بحسب جودة التصور : أي مدى تصور المرء لماهية ( التأصيل)، و ( التدليل)، و ( التعليل)، و ( التمثيل)، و ( التنزيل) ، وهذا [ يرتبط بمقامات العلم عند التناول ! ] ..


          ومثال ذلك :


 - التأصيل : النهي عن الفتوى وقبول طالب العلم لها في حالة الغضب الشديد.. 


- التدليل : قوله عليه الصلاة والسلام : ( لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان )..


- التعليل : لأن الغضب الشديد يشوش على المرء نظره ..، وعليه فالنهي واحد كان في حق القاضي أو المفتي أو غيرهما .


     قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - : " وهل يستريب عاقل في أن النبي - عليه الصلاة والسلام - لما قال : ( لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان )، إنما ذلك لأن الغضب يشوش عليه قلبه وذهنه، ويمنعه من كمال الفهم، ويحول بينه وبين استيفاء النظر، ويعمي عليه طريق العلم والقصد؟ " إعلام الموقعين 1/166. 



- التمثيل : مثال النهي عن القضاء والإفتاء في حالة الغضب : عند الهم المزعج، أو الخوف المقلق، أو الجوع والظمأ الشديد .. وهكذا دواليك .. 


  قال الإمام ابن القيم رحمه الله - عند حديث نهي القاضي عن القضاء في حالة الغضب : " فمن قصر النهي على الغضب وحده دون الهم المزعج، والخوف المقلق، والجوع والظمأ الشديد، وشغل القلب المانع من الفهم فقد قل فقهه وفهمه " إعلام الموقعين 1/166.


- التنزيل : من صور ذلك أن يتجنب صاحب العلم تقرير مسألة شرعية، وكذا ابتعاد طالب العلم عن قبول ذلك في حالة عدم اعتدال المزاج بسبب غضب أو فتنة مدلهمة، أو عاطفة عاصفة ... وما أشبه إلى أن تسكن النفس وتصير قادرة على النظر بتجرد بعيدا عن تأثير العوارض تأثيرا سلبيا ..


4. أو بحسب إلف كلام أهل العلم وغرائبه منه : أي بسبب التقصير في النظر الصحيح في كلام العلماء، والتفريط في كثرة التأمل المليح فيه، والنتيجة : ضعف في إلف كلام أهل العلم، وضعف في التعرف على طرائقهم عند إيراد العلم ..، وهذا [ يرتبط بالمزاولة والممارسة ! ]..



     ومن أمثلته مما يحتاج إلى كثرة تأمل ومران لإدراك نحوه، و استيعاب شبيهه قول الإمام ابن القيم - رحمه الله - : " فائدة : من دقيق (الورع) أن لا يقبل المبذول حال هيجان الطبع من حزن أو سرور، فذلك كبذل السكران، ومعلوم أن الرأي لا يتحقق إلا مع اعتدال المزاج، ومتى بذل باذل في تلك الحال يعقبه ندم، ومن هنا لا يقضي القاضي وهو غضبان، وإذا أردت اختبار ذلك فاختبر نفسك في كل مواردك من الخير والشر فالبدار بالانتقام حال الغضب يعقب ندما، وطالما ندم المسرور على مجازفته في العطاء وود أن لو كان اقتصر  " بدائع الفوائد 3/136.



     كتبه [ يوم الأحد 22 ربيع الأول 1442 هـ / الموافق لـ 8 نوفمبر 2020 م ] :


   أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي الحسني - عامله الله بلطفه الخفي وكرمه الوفي -

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

** من علم التاريخ زاد عقله ..

مفهوم قوامة الرجل على المرأة (!)