** من علم التاريخ زاد عقله ..

 بسم الله الرحمن الرحيم



    ** من علم التاريخ زاد عقله ..


 [ التاريخ علمنا : أننا لا نتعلم من التاريخ ! ]


    من العلوم التي غفل عنها كثير من العاملين في ميدان الدعوة وطلبة العلم  : ( علم التاريخ )، مع بالغ أهميته لهم خاصة، ولذا اعتنى به علماء الأمة ورُواد الإصلاح من خلال التأليف فيه، ومدارسته، ومراعاته ..، قصد " الاتعاظ والاعتبار"، و " الانتفاع بالتجارب السابقة"، و " الاستفادة من الوقائع الماضية "  ..، من باب ( استدل على ما لم يكن بما قد كان، فإن الأمور أشباه ).. 


من لم يع التاريخ في صدره *** لم يدر حُلو العيش من مُرِّه

ومن وعى أخبار من قد مضى *** أضاف أعمارا إلى عمره


    لكن كما قيل : ( ما أكثر العبر، وما أقل الاعتبار )، فإن [ التاريخ علمنا : أننا لا نتعلم من التاريخ ! ] ..


    و حديثي عن ( التاريخ ) هنا لا يقتصر على موضوع الأخبار والوقائع فحسب، بل يشمل - كذلك - تراجم العلماء والأعلام وأهل الخير على اصطلاح المتقدمين كما نبه عليه الشيخ بكر أبو زيد - رحمه الله - في رسالته ( التراجم الذاتية) ضمن كتابه " النظائر" ص : 22 .


     ومما يؤكد أهمية ( التاريخ ) أنه يمثل أحد أعمدة الهُوية ..، كما قال الدكتور طه عبد الرحمن : [ لا هُوية للذات من غير الاستناد إلى التراث ! ] 1 ..


    وقال العلامة جمال الدين القاسمي - رحمه الله - : " إن من أهم ما تجب العناية بمطالعته تاريخ السلف الصالح، وما أتوا من جليل الأعمال؛ فإن للتاريخ تأثيرا غريبا في الأخلاق، والوجدانات النفسية، والميول الشريفة، وإعداد النفس للحياة الاجتماعية، وتعلم سَير النظام الكوني في سنته من ارتباط الأسباب بالمسببات، والنتائج بالمقدمات، فيُتخذ الماضي مثالا للحاضر، ويُتبصر فيما كان يتخذه الأقدمون من الأسباب لارتقائهم، وفيما يهبط بالأمم من ذُرى وَحْيِهم " جوامع الآداب في أخلاق الأنجاب ص : 225.


     مع التنبه - يا رعاكم الله - إلى حاجتنا إلى ( فقه التاريخ )، ففرق بين قراءة التاريخ لمجرد السرد والرواية، و قراءته للعظة وحسن الدراية ..


    فلا يصلح أن أنقل واقعة تاريخية من هنا، أو هناك دون ( إحكام ضوابط النقل ) ، ومن غير ( ضبط قواعد الفهم )  حتى لا نقع في الاعتقاد ثم الاعتماد (!) ..، ولكي لا نتشبه بأصحاب المنهج الموضوعي وفق سَنن الغربيين؛ أي : " النظر في التاريخ نظرا عقليا مجردا عن القانون العلمي، و الميزان الشرعي، و المنهج الأثري" !! ..


    ومرد ما يتحقق به ( فقه التاريخ) إلى أمرين  :


أولا : ضبط الرواية ..


   قال العلامة الخضر حسين - رحمه الله - : " وفي كتب التاريخ كذب كثير، سببه عدم تحري المؤرخ في الواقعة، أو يكون له اتجاه غير رشيد " موسوعة الأعمال الكاملة 2/ 179.


ثانيا : إحكام الدراية  ..


   فقد صدق من قال : " من نظر إلى التاريخ على أنه مجرد سرد للأخبار لم يستفد منه، ومن قلَّب فكره في ما وراء أحداثه حصد من العبر مالم يخطر له على بال من قبل " ..


     إذن فمن أردا تحقيق ( فقه التاريخ) أو ( العلم بالتاريخ) وحصول الأثر الطيب لذلك في التصورات والتصرفات فلابد من مراعاة جملة من القواعد الشرعية، و الضوابط المرعية 2 .


     ورحم الله الإمام الشافعي حيث قال : " من علم التاريخ زاد عقله  " تاريخ الجبرتي 1/10.


............................


1. أنظر مقال : ( طه عبد الرحمن : لا هُوية للذات من غير استناد إلى التراث ) لمحمد القاضي.


2. وأنصح في خصوص هذه القواعد الشرعية، و الضوابط المرعية بقراءة رسالة " منهج دراسة التاريخ الإسلامي" للدكتور محمد أمحزون، وقد جعلها في فصلين : الأول : (منهج توثيق الأخبار) وقد ضمه ثلاثة مباحث ، والثاني : ( منهج تفسير الحوادث والحكم عليها ) وقد ضمه 15 قاعدة.

     وأسأل الله أن ييسر في كتابة فذلكة مضمون هذه الرسالة في مقالة تقريبا لفحواها بإذن الله تعالى .



        كتبه [ يوم السبت 8 صفر 1442 هـ / الموافق لـ 26 سبتمبر 2020 م ] :


    أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي الحسني - عامله الله بلطفه الخفي وكرمه الوفي -

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

** إيقاظ وتذكير لطلاب العلم : [ أسباب الشك في بعض كلام العلماء ! ]

مفهوم قوامة الرجل على المرأة (!)