** نازعت أقدار الحق بالحق للحق ..

بسم الله الرحمن الرحيم


     ** نازعت أقدار الحق بالحق للحق ..


     [ نازعت أقدار الحق بالحق للحق ! ]، هذه المقولة مشهورة عن الشيخ عبد القادر الجيلاني - رحمه الله -، وقد عزاها إليه الإمام ابن تيمية - رحمه الله - في رسالته ( العبودية) ص : 54 بقوله : " فيما ذُكر عنه"، وفي ( الفتاوي) 8/547، و ( الفتاوي الكبرى) 5/161 - 162 أيضا، ونقلها عنه كذلك الإمام ابن القيم - رحمه الله - في (المدارج) 1/311، وفي ( طريق الهجرتين) 1/75.


     والناظر فيما دلت عليه نصوص القرآن والسنة في موضوع القدر يجد المُنصف (1) فحوى مقولة الجيلاني - رحمه الله - مُوافقة لذلك ..، ولذا قال الإمام ابن تيمية - رحمه الله - بعد نقله لها : " فالذي ذكره الشيخ - رحمه الله - هو الذي أمر الله به ورسوله " الفتاوي 8/548، ورسالة العبودية ص : 55.

     ومن هذه النصوص الشرعية قوله عليه الصلاة والسلام  : " لا يغني حذر من قدر والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان (2) إلى يوم القيامة " حسن كما في ( صحيح الجامع ) رقم : 7739.

       قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - : " والدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه، أو يخففه إذا نزل.

      ... وله مع البلاء ثلاث مقامات :
   أحدها : أن يكون أقوى من البلاء، فيدفعه.
   الثاني : أن يكون أضعف من البلاء، فيصاب به العبد. ولكن قد يخففه، وإن كان ضعيفا.
   الثالث : أن يتقاوما، ويمنع كل واحد منهما صاحبه " الجواب الكافي ص : 11 - 12.

    ومقولة الجيلاني - رحمه الله - كأنها منتزعة من قول عمر - رضي الله عنه - كما في الصحيحين (3) :" نفر من قدر الله إلى قدر الله "!

    قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - : " الحكم الكوني القدري الذي للعبد فيه كسب واختيار وإرادة، والذي حكم به يسخطه ويبغضه ويذم عليه. فهذا حقه أن ينازع ويدافع بكل ممكن ولا يسالم ألبتة، بل ينازع بالحكم الكوني أيضا، فينازَع حكم الحق بالحق للحق، ويدافع به وله، كما قال شيخ العارفين في وقته عبد القادر الجيلي (4) : ( الناس إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا (5) ، وأنا انفتحت لي فيه روزنة (6) فنازعت أقدار الحق بالحق للحق. والعارف من يكون منازعا للقدر، لا واقفا مع القدر ) اهـ فإن ضاق ذرعك عن هذا الكلام وفهمه فتأمل قول عمر بن الخطاب، وقد عوتب على فراره من الطاعون، فقيل له : ( أتفر من قدر الله ؟) فقال : ( نفر من قدر الله إلى قدر الله) .. " طريق الهجرتين ص : 75 - 76.

    ومختصر المقصود من مقولة الجيلاني - رحمه الله - في الآتي :
     

- نازعت : قابلت ..
- أقدار الحق : ما قدره الله..
- بالحق : بالمسارعة لفعل الأسباب الدينية والدنيوية، ولا تقع إلا بقدر الله ..
- للحق : لحصول ما هو مصلحة ودفع ما هو مفسدة، ويحدث ذلك بقدر الله...

      وعليه ؛ فالمطلوب منازعة الأقدار بالأقدار للأقدار .

    قال الإمام ابن تيمية - رحمه الله - بعد نقله لكلمة الجيلاني - رحمه الله -  : " وهذا الذي قاله الشيخ تكلم به على لسان المحمدية، أي : أن المسلم مأمور أن يفعل ما أمر الله به، ويدفع ما نهى الله عنه، وإن كانت أسبابه قد قدّرت فيدفع قدر الله بقدر الله كما جاء في الحديث الذي رواه الطبراني في كتاب الدعاء عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - : ( إن الدعاء والبلاء ليلتقيان بين السماء والأرض). وفي الترمذي : ( قيل : يا رسول الله ؟ أرأيت أدوية نتداوى بها ورُقًى نسترقي بها وتُقًى نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا ؟ فقال : هنّ من قدر الله )... " الفتاوي 2/458.

   و قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - في معرض كلامه عن رد القدر بالقدر : " .. وهذا سير أرباب العزائم من العارفين، وهو معنى قول الشيخ العارف القدوة عبد القادر الكيلاني : ( الناس إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، إلا أنا فانفتحت لي فيه روزنة، فنازعت أقدار الحق بالحق للحق. والرجل من يكون منازعا للقدر، لا من يكون مستسلما مع القدر )
      ولا تتم مصالح العباد في معاشهم إلا بدفع الأقدار بعضها ببعض، فكيف في معادهم؟ والله تعالى أمر أن تدفع السيئة - وهي من قدره - بالحسنة، وهي من قدره. وكذلك الجوع هو من قدره، وأمر بدفعه بالأكل الذي هو من قدره. ولو استسلم العبد لقدر الجوع، مع قدرته على دفعه بالأكل، حتى مات = مات عاصيا. وكذلك البرد والحر والعطش كلها من قدره، وأمر بدفعها بأقدار تضادها (7)، والدّافع والمدفوع والدّفع من قدره  " المدارج 1/ 311.


...............

(1) - قال الشيخ بكر أبو زيد - رحمه الله - :" نازعت أقدار الحق بالحق للحق : من أقوال الشيخ عبد القادر الجيلاني. وقد وجه معناها شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - " معجم المناهي اللفظية ص : 688.

(2) - يعتلجان : يتصارعان، ويتدافعان.

(3) - تنبيه : أخرج الإمام البخاري - رحمه الله - أثر عمر - رضي الله عنه - في [ كتاب الطب ! ] رقم ( 5729).

(4) - قال الإمام الذهبي - رحمه الله -  في حق الشيخ عبد القادر الجيلاني - رحمه الله - : " وفي الجملة الشيخ عبد القادر كبير الشأن، وعليه مآخذ في بعض أقواله ودعاويه، والله الموعد، وبعض ذلك مكذوب عليه " السير 15/186.

(5) - أي : استسلموا ولم يأخذوا بالأسباب ..

(6) - الرّوزنة : الكوَّة النافذة / لفظ فارسي معرَّب.

(7) - قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - : " .. بل الفقيه كل الفقيه الذي يرد القدر بالقدر، ويدفع القدر بالقدر، ويعارض القدر بالقدر، بل لا يمكن الإنسان يعيش إلا بذلك، فإن الجوع والعطش والبرد وأنواع المخاوف والمحاذير هي من القدر، والخَلق كلهم ساعون في دفع هذا القدر بالقدر " الداء والدواء ص : 34.


        كتبه [ يومه الاثنين 21 رجب 1441 هـ / الموافق لـ 16 مارس 2020 م ] :

     أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي الحسني - عامله الله بلطفه الخفي وكرمه الوفي -

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

** إيقاظ وتذكير لطلاب العلم : [ أسباب الشك في بعض كلام العلماء ! ]

** من علم التاريخ زاد عقله ..

مفهوم قوامة الرجل على المرأة (!)