مشاهد إيمانية في شعيرة الأضحية ..

 بسم الله الرحمن الرحيم



  ▪️مشاهد إيمانية في شعيرة الأضحية ..


    لا يخفى أن الأضحية شعيرة من شعائر الله تعالى التي تستوجب التعظيم والإجلال ..، قال سبحانه : { ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب}..،  و " تعظيمها : توفيتها حقها، وحفظها من الإضاعة " كما قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - في المدارج 2/73 .. 


    وهذه الحقيقة الشرعية تستدعي شهود جملة من المشاهد الإيمانية في خصوصها :


 الأول : مشهد إفراد الله بالعبادة [ = تحقيق التوحيد ! ]، ويتجلى ذلك في ذبح الأضحية لله وحده دون سواه،  قال تعالى : { قل إن صلاتي ونسكي ومحايي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين }.


الثاني : شهود مشهد التقرب والتعبد لله تعالى، قال سبحانه : {  فصل لربك وانحر }، قال العلامة السعدي - رحمه الله - عند تفسيره للآية  : ".. وفي النحر تقرب إلى الله بأفضل ما عند العبد من النحائر .." تيسير الكريم الرحمن 1/935. 


الثالث : شهود مشهد التعظيم،  ومن تجليات ذلك : [ الاقتران بين الصلاة و النسك ! ] كما في الآيات السالفة الذكر ..، وهما أجل ما يُتقرب به إلى الله، فأجل العبادات البدنية : ( الصلاة)، وأجل العبادات المالية : ( النسك)، ومن أسرار هذا الاقتران قول العلامة السعدي - رحمه الله - : " ومن أخلص في صلاته ونسكه، استلزم ذلك إخلاصه لله في سائر أعماله " تيسر الكريم الرحمن 1/282.


الرابع : شهود مشهد التقوى، قال تعالى : { لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم }، قال العلامة السعدي - رحمه الله - في تفسيره للآية : ".. وهكذا سائر العبادات إن لم يقترن بها الإخلاص وتقوى الله كانت كالقشور الذي لا لب فيه، والجسد الذي لا روح فيه" تيسير الكريم الرحمن  1/538.


الخامس : شهود مشهد الامتثال لأمر الله تعالى كما قي قصة إبراهيم - عليه الصلاة و السلام - مع ابنه،  { يا أبت افعل ما تومر ستجدني إن شاء الله من الصابرين }، فإذا بكبش عظيم بعثه الله فداء لهذا الولد الذي أرضى ربه، وبر والده، قال تعالى : { وفديناه بذبح عظيم }.


السادس : شهود مشهد التضحية في سبيل ما يرضاه الله تبارك وتعالى [ = فمن معاني الأضحية : التضحية ! ]،  قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - : " ليس المراد من الابتلاء أن يعذب، ولكن يبتلي ليهذب، وليس العجب من أمر الخليل بذبح ولده (1) ، وإنما العجب من مباشرة الذبح بيده، ولولا استغراق حب الأمر لما هان مثل هذا المأمور" بدائع الفوائد 3/223.


السابع : شهود مشهد الاقتداء، ويتجلى هذا في الاقتداء بخليل الله إبراهيم وبهدي نبينا محمد - عليهما الصلاة والسلام - بذبح الأضاحي، فذبح الأضحية سنة إبراهيمية، وشِرعة محمدية، قال تعالى : { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين }.


الثامن : شهود مشهد المنة من الله تعالى، ففي الحديث الثابت أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول عند ذبح الأضحية  :" اللهم إن هذا منك ولك" انظر إرواء الغليل رقم : ( 1138)،  وفي رواية أخرى ثابتة : " اللهم هذا منك ولك" انظر الإرواء رقم : ( 1152)، والشاهد قوله : [ هذا منك ! ] أي : هذه الأضحية عطية ورزق وَصَل إليَّ منك، وفي ذلك  شهود مشهد فضل الله وجوده وكرمه.


التاسع : شهود مشهد الشكر، ومن صوره ما سبق ذكره فيما يقال عند ذبح الأضحية، والشاهد قول : [ ولك ! ] أي : هذه الأضحية هي عبادة خالصة لوجهك ، و أقدمها شكرا لك،  قال تعالى : { بل الله فاعبد وكن من الشاكرين }.


العاشر : شهود مشهد الاستقامة، ومن صوره لزوم ذبح الأضحية بعد صلاة العيد ، وهذا من معاني قوله تعالى : { فصل لربك وانحر } حيث ذكر النحر بعد الصلاة ..،  وفي الحديث قال عليه الصلاة والسلام : " من صلى صلاتنا و نسك نسكنا فقد أصاب النسك، ومن ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى" متفق عليه.


الحادي عشر : شهود مشهد الذكر،  فمما ثبت قوله عند ذبح الأضحية [ التسمية والتكبير  = باسم الله، والله أكبر ]، قال تعالى : { ولا تأكلوا مما لم يُذكر اسم الله عليه }.


الثاني عشر : شهود مشهد الرحمة، ومن صور ذلك كراهة ذبح الأضحية أمام أخرى - مع التنبه أن حدوث ذلك لا يلزم منه تحريم أكل لحمها - ،  فقد " اتفق الففهاء على أن من آداب الذبح : أن لا تذبح بهيمة أمام أختها" انظر الموسوعة الفقهية 10/221، ومن ذلك أن توارى السكين عن البهائم كما في الحديث عند أحمد وابن ماجة، وفيه كلام وفق الصناعة الحديثية.


الثالث عشر : شهود مشهد الإحسان، ومن تجلياته : أن تُحَدَّ شفرة ذبح الأضحية، ففي الحديث عند الإمام مسلم قال عليه الصلاة والسلام : " إن الله كتب الإحسان على كل شيء   فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته".


الرابع عشر : شهود مشهد التصدق،  قال تعالى : { فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون }، وفي صحيح مسلم قال عليه الصلاة والسلام في الأضاحي :" فكلوا، وادخروا، و تصدقوا ".


الخامس عشر : شهود مشهد السرور والفرح بفضل الله، قال تعالى : { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون }.. 

   قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - : " إظهار السرور في العيد من شعائر الدين " الفتح 2/443.


السادس عشر والأخير : شهود مشهد النعيم الأخروي..،  ويدل عليه سورة الكوثر  : { إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الابتر }،  قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - : " { إنا أعطيناك الكوثر } فوصفه بالكوثر، و الكوثر المعروف إنما هو نهر في الجنة، كما قد وردت به الأحاديث الصحيحة الصريحة....،  وهو ... أعظم أنهار الجنة وأطيبها ماء، وأعذبها وأحلاها وأعلاها.... إلى أن قال : { إنا أعطيناك الكوثر } دل على أنه أعطاه الخير كله كاملا موفرا، وإن نال منه بعض أمته شيئا، كان ذلك الذي ناله ببركة اتباعه، والاقتداء به ...،  إلى أن قال : والصلاة والنحر سبب للقيام بشكر ما أعطاه الله إياه من الكوثر والخير الكثير، فشكر المنعم عليه وعبادته أعظمها هاتان العبادتان..، كأنه يقول : { إنا أعطيناك الكوثر } الخير الكثير، وأنعمنا عليك بذلك لأجل قيامك لنا بهاتين العبادتين، شكرا لإنعامنا عليك،  وهما السبب لإنعامنا عليك بذلك " الفتاوي / المجلد السادس عشر ( التفسير).



     والله المستعان..، وعليه التكلان ..



............................... 


(1). قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - : " لما سأل إبراهيم عليه السلام الولد فأُعطيه، وتعلق حُبُّه بقلبه، فأخذ منه شُعبة، غار الحبيب على خليله أن يكون في قلبه موضع لغيره، فأمره بذبحه، وكان الأمر في المنام ليكون تنفيذ المأمور ابتلاء وامتحانا، ولم يكن المقصود ذبح الولد، ولكن المقصود ذبحه من قلبه؛ ليخلص القلب للرب، فلما بادر الخليل عليه الصلاة والسلام إلى الامتثال، وقدّم محبة الله على محبة ولده، حصل المقصود فرُفع الذبح، وفُدِي بذبح عظيم " الجواب الكافي ص : 190 - 191.



     كتبه [ الجمعة 8 ذو الحجة 1443 ھ / الموافق لـ 8 يوليو 2022 م ] :


     أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي الحسني - عامله الله بلطفه الخفي وكرمه الوفي -

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

** إيقاظ وتذكير لطلاب العلم : [ أسباب الشك في بعض كلام العلماء ! ]

** من علم التاريخ زاد عقله ..

مفهوم قوامة الرجل على المرأة (!)