انتقاص علماء الشريعة بأنهم ( فقهاء حيض ونفاس ) وما أشبه ذلك .. ليس بالأمر الجديد ..

 بسم الله الرحمن الرحيم


   ▪️انتقاص علماء الشريعة بأنهم ( فقهاء حيض ونفاس ) وما أشبه ذلك .. ليس بالأمر الجديد ..


         [ لكل قوم وارث ! ]


   كثيرا ما نسمع من أناس جُملة : ( فقهاء حيض ونفاس ) وما أشبه ذلك ..، ويُراد بها انتقاص علماء الشريعة، وطلبة العلم الشرعي، أو ازدراء المتشرعة عموما ..


    وهذا بدعوى (!) أنهم انعزلوا عن الميادين والمجتمعات ..، أو بزعم عدم فقههم للواقع ..، أو اتهاما لهم بأنهم يغردون خارج السرب ..، أو لعدم معرفتهم بالعلوم الكونية ..، إلى غير ذلك مما يدل على الاعتساف والانحراف عن جادة الإنصاف  ..


    ومن مآلات انتقاص علماء الشرع وطلابه : التسبب في إضعاف تعظيم الشريعة المنزلة في النفوس أو عدم ذلك، مما يورث ترك الاستجابة لأحكامها، أو الانسلاخ من تقريراتها ..


    فإنه من مقدمات تعظيم الشريعة في النفوس، وتحكيمها في سائر المجالات : [ نشر علومها، وتكثير فقهائها وطلابها ! ] 


    قال العلامة ابن عاشور - رحمه الله - : " إن أهم المقاصد لتهيئة إقامة الشريعة وتنفيذها : بث علومها، وتكثير علمائها " مقاصد الشريعة الإسلامية ص : 338.


    والمدخل لبث علوم الشرع، وتكثير علمائه : [ إعزاز الشريعة، وتعظيم علمائها وطلابها ! ]، فتذكر .. ولا تتنكر ..


   وليعلم أن علوم الشريعة هي علوم الأذكياء الأزكياء لما في تناولها - بوجه صحيح، ومسلك مليح - باستنطاق نصوصها، و استخراج قواعدها، واستنباط دقائقها من تحقق ( مهارات ذهنية )، و ( جودة في الأنظار العقلية )، وذلك لكون علوم الشرع أساسها الوحي، وبحسب الارتقاء فيها بحسب بلوغ المرء أسمى الدرجات في " سعة المدارك العقلية " ، ولأجله جُعلت علوم الشريعة هي علوم أذكى وأزكى الأذكياء الأزكياء وهم : [ الأنبياء ! ]، و " العلماء ورثة الأنبياء " كما في الحديث الصحيح، وكل عالم بحسبه (!).


   ومن علوم الشريعة الغراء : ( علم الفقه )، ومن أبوابه : باب الطهارة، ومن أجل مسائلها وأصعبها : [ مسائل الحيض والاستحاضة والنفاس ! ]، ونتيجة إحكامها، ودقة ضبطها : " نماء المدارك وتقويتها "!، حتى قال الإمام أحمد - رحمه الله - :" كنت في كتاب الحيض تسع سنين حتى فهمته " طبقات الحنابلة 1/ 268.


   وقال العلامة النووي - رحمه الله - : " اعلم أن باب الحيض من عويص الأبواب، ومما غلط فيه كثيرون من الكبار لدقة مسائله، واعتنى به المحققون، وأفردوه بالتصنيف في كتب مستقلة، وأفرد أبو الفرج الدارمي من أئمة العراقيين مسألة المتحيرة في مجلد ضخم (1) ليس فيه إلا مسألة المتحيرة وما يتعلق بها، وأتى فيه بنفائس لم يُسبق إليها، وحقق أشياء مهمة من أحكامها " المجموع شرح المهذب 2/ 344.


    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - :" مسائل الاستحاضة من أشكل أبواب الطهارة " القواعد النورانية الفقهية ص : 38. 


  ومن دلائل عظم شأن مسائل الحيض والنفاس : تعلقها بواقع نصف المجتمع ألا وهنّ النساء، ولذا فالحاجة إليها كثيرة لعموم وقوعها، ولأنها من الأمور الجليلة التي يترتب عليها ما لا يُحصى من الأحكام الشرعية .. 


   قال العلامة ابن نجيم الحنفي - رحمه الله - : " اعلم أن باب الحيض من غوامض الأبواب خصوصا من المتحيرة وتفاريعها، ولهذا اعتنى به المحققون، وأفرده محمد في كتاب مستقل. 

   ومعرفة مسائل الحيض من أعظم المهمات لما يترتب عليها ما لا يحصى من الأحكام كالطهارة، والصلاة، وقراءة القرآن، والصوم، و الاعتكاف، والحج، و البلوغ، والوطء، والطلاق، والعدة، والاستبراء، وغير ذلك من الأحكام، وكان من أعظم الواجبات، لأن عظم منزلة العلم بالشيء بحسب منزلة ضرر الجهل به، وضرر الجهل بمسائل الحيض أشد من ضرر الجهل بغيرها، فيجب الاعتناء بمعرفتها، وإن كان الكلام فيها طويلا، فإن المُحصِّل يتشوف إلى ذلك، ولا التفات إلى كراهة أهل البَطالة " البحر الرائق 1/ 199. 


    فالعجب كل العجب ممن ينتقص علماء الشريعة وطلابها بأنهم : فقهاء حيض ونفاس (!)، وحسبنا الله ونعم الوكيل .. 


    ومثل هذا الازدراء ليس بالأمر الجديد، - ولكل قوم وارث (!) - فهذا عمرو بن عبيد - أحد كبراء المعتزلة - قال يوما عقب كلام لواصل بن عطاء - رأس المعتزلة - : " فما كلام الحسن، وابن سيرين، والنخعي، و الشعبي، عندما تسمعون، إلا خرق حيض مطروحة " الضعفاء للعقيلي 3/ 285. 


   وقال الإمام الشاطبي - رحمه الله - : " روي أن زعيما من زعماء أهل البدعة كان يريد تفضيل الكلام على الفقه فكان يقول : ( إن علم الشافعي وأبي حنيفة جملته لا يخرج من سراويل امرأة ). 

    هذا كلام هؤلاء الزائغين، قاتلهم الله  " الاعتصام  3/ 177. 


     فالحذر الحذر من انتقاص المتشرعة فمآلات ذلك وخيمة مُفْزعة .. 


  قال الحافظ ابن عساكر - رحمه الله - : " واعلم يا أخي - وفقنا الله وإياك لمرضاته، وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته - أن لحوم العلماء - رحمة الله عليهم - مسمومة (2)، وعادة الله في هتك أستار منتقصهم معلومة، لأن الوقيعة فيهم بما هم منه براء أمر عظيم، و التناول لأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم، والاختلاف على من اختاره الله منهم لنعش العلم خُلق ذميم " تبيين كذب المفتري ص : 28. 


لحوم أهل العلم مسمومة *** ومن يعاديهم سريع الهلاك 

فكن لأهل العلم عونا وإن *** عاديتهم يوما فخذ ما أتاك 


..............................


(1)."  قال الدارمي في كتاب المتحيرة : الحيض كتاب ضائع لم يُصنف فيه تصنيف يقوم بحقه ويشفي القلب " المجموع شرح المهذب 2/ 345.


(2). في الشقائق النعمانية ص : 39 ذِكر ما يُفيد أن الأولى أن يقال : ( لحوم العلماء سامة )، انظر كتاب النظائر / الشيخ بكر أبو زيد - رحمه الله - ص : 295.



      كتبه [ يوم السبت 27 رجب 1444 هـ / الموافق لـ 18 فبراير 2023 م ] :


    أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي الحسني - عامله الله بلطفه الخفي وكرمه الوفي -

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

** إيقاظ وتذكير لطلاب العلم : [ أسباب الشك في بعض كلام العلماء ! ]

** من علم التاريخ زاد عقله ..

مفهوم قوامة الرجل على المرأة (!)