مقدمات النصر نصر

 بسم الله الرحمن الرحيم 



       ■ مقدمات النصر نصر


[ تلك الأصبع أحب إليَّ من مائة ألف سيف شهير وشاب طرير  ! ]


  تكالب الأعداء علينا مصيبة عظيمة وبلاء جسيم يجب السعي لرفعه قدر الإمكان بالطرق الشرعية والأسس المرعية، وهذا لا يتحقق وفق مراد الله الشرعي إلا بحسن التشخيص، وألاَّ نخلط فيه بين المرض والعَرَض، وما أكثر المخلِّطين بين الأمراض والأعراض؛ فإن الحكم على الشيء فرع تصوره.


  ولأهل الإيمان في رسول الله عليه الصلاة والسلام أسوة حسنة، فقد كانت له صلوات ربي وسلامه عليه مقدمات يتخذها للنصر، وممهدات للتأييد ونيل التمكين تختلف - عموما - حسب الحال والزمان ..


   قال تعالى: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }.


     قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في تفسير الآية :" أي عن أمر رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو سبيله ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته ... { أو يصيبهم عذاب أليم } أي في الدنيا بقتل أو حد أو حبس أو نحو ذلك " 3/319.


    فهاهو اختباء النبي -عليه الصلاة والسلام- في الغار مع الصديق -رضي الله عنه- كما هو مشهور في السيرة قد سماه الله تعالى نصرا، وإن كان قد يظهر لبعضهم أنه محض ضعف وخور وخذلان لكن العارف يدري ويفهم أن [ مقدمات النصر نصر ! ] ..


   قال تعالى: { إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } .


   ومن مقدمات النصر التي يغفل عنها بعض الناس، بل يتضجرون من ذكرها والتذكير بها "سلاح الدعاء"، مع أنه من أنفع الأدوية التي لها تعلق بأصل المرض لا ببنيات الأمور وما هو عرض. 


   قال الإمام الشافعي - رحمه الله - : 


أتهزأ بالدعاء وتزدريه *** وما تدري بما صنع الدعاء

سهام الليل لا تخطي ولكن *** له أمد وللأمد انقضاء


    فعموم غزوات النبي - عليه الصلاة والسلام - كان من أسس انتصاره فيها : الالتجاء إلى الله تعالى بالإلحاح في الدعاء والتضرع .. 


    قال عليه الصلاة والسلام : " إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم " صحيح الترغيب والترهيب. 


    وفي عمدة القاري للعلامة العيني - رحمه الله - :" .. وأخبر أن بدعائهم ينصرون ويرزقون لأن عبادتهم ودعاءهم أشد إخلاصا وأكثر خشوعا لخلو قلوبهم من التعلق بزخرف الدنيا وزينتها وصفاء ضمائرهم عما يقطعهم عن الله تعالى حيث جعلوا همهم واحدا فزكت أعمالهم وأجيب دعاؤهم " 14/179.


   وقال شيخ الإسلام - رحمه الله - : " والمسلمون في مشارق الأرض ومغاربها قلوبهم واحدة موالية لله ولرسوله ولعباده المؤمنين معادية لأعداء الله ورسوله وأعداء عباده المؤمنين؛ وقلوبهم الصادقة وأدعيتهم الصالحة هي العسكر الذي لا يغلب والجند الذي لا يخذل" مجموع الفتاوي 28/644.


   وفي السير للإمام الذهبي - رحمه الله - لما صافّ قتيبة بن مسلم الترك، وهاله أمرهم، سأل عن محمد بن واسع فقيل له : " ذاك في الميمنة جامح على قوسه، يبصبص بأصبعه نحو السماء"


 فقال : " تلك الأصبع أحب إليَّ من مائة ألف سيف شهير وشاب طرير ".


   فالدعاء مفزع المظلومين، وملجأ المستضعفين، إذا انقطعت بهم الأسباب، وأغلقت في وجوههم الأبواب، ولم يجدوا من يرفع عنهم مظلمتهم، ويعينهم على من تسلط عليهم وظلمهم.

   

   والدعاء سبب لانشراح الصدر وتفريج الهم وزوال الغم وتيسير الأمور  ..


   فالله الله في الدعاء فإنه من أعظم الأمور التي تجلب النصر من رب الأرض والسماء، خاصة زمن المحن والبلاء.


   فالضراعة إلى الله سبب لكشف البلاء كما قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ َفلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }.


   وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : " تكون فتنة لا ينجي منها إلا دعاء كدعاء الغريق" مصنف ابن أبي شيبة.


   وقال الإمام ابن القيم رحمه الله : " وكذلك الدعاء فإنه من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب ولكن قد يتخلف عنه أثره إما لضعفه في نفسه بأن يكون دعاء لا يحبه الله لما فيه من العدوان وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء فيكون بمنزلة القوس الرخو جدا فإن السهم يخرج منه خروجا ضعيفا، وإما لحصول المانع من الإجابة من أكل الحرام والظلم ورين الذنوب على القلوب واستيلاء الغفلة والسهو واللهو وغلبتها عليها " الجواب الكافي ص: 11.


  وليعلم أن الدعاء سبيل للسلامة من العجز، ودليل على الكياسة، فأضعف الناس رأيا، وأعماهم بصيرة، من عجز عن الدعاء، فالعاجز عنه من أعجز الناس، فكيف ينتظر منه أن يحمل هم أمته، وأن ينصرها بما يستطيع، فالدعاء الدعاء – مع عمل كل ما يمكن أن يعمل شرعا بعيدا عن تصرفات المنفعلة، وبمبعدة عن حال المنهزمة – فمقدمات النصر نصر.


   عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال :" أعجز الناس من عجز عن الدعاء، وأبخل الناس من بخل بالسلام" صحيح الجامع.


   كتبه [ يوم الثلاثاء 16 ربيع الآخر 1445 / الموافق ل 31 أكتوبر 2023 ] :


   أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي الحسني - عامله الله بلطفه الخفي وكرمه الوفي -

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

** إيقاظ وتذكير لطلاب العلم : [ أسباب الشك في بعض كلام العلماء ! ]

** من علم التاريخ زاد عقله ..

مفهوم قوامة الرجل على المرأة (!)