■ ضرورة التحذير من الشرك وحفظ جناب التوحيد
بسم الله الرحمن الرحيم
■ ضرورة التحذير من الشرك وحفظ جناب التوحيد ..
_ والجواب عن شبهة أن هذه الأمة لا يخاف عليها وقوع الشرك فيها استنادا إلى ما جاء في الحديث : ( والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ) _
اعلم - يا رعاك الله - أن الاعتناء بإصلاح عقيدة المسلمين لما نراه ونسمعه من مخالفات شركية - بسبب جهل كثير منهم أو اتباعهم للهوى - هو [ رأس المال ! ] ..
قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - : " قال الحافظ ابن هبيرة - رحمه الله - : ( تصحيح العقائد الفاسدة في المسلمين هو بمثابة رأس المال ، ودخول الكافر في الإسلام هو بمثابة الربح ، ولا شك أن حفظ رأس المال مقدم على طلب الربح ) " الفتح 12/301 .
وعليه ؛ فاحذر ممن يُزهد في التحذير من الشرك والاشتغال بذلك بدعوى أن التوحيد فهمناه (!!) ..، أو أن أمر التوحيد وما يضاده يُعلم في دقائق (!!) ، أو أن الواقع الدعوي المعاصر فيه مشاكل أكبر من ذلك تستوجب الاعتناء أولا ( !!! )، وهكذا دواليك من الدعاوى الساقطة ..
قال الله تعالى على لسان نبيه إبراهيم - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - : { واجنبني وبني أن نعبد الأصنام } ..
قال إبراهيم التيمي - رحمه الله - عند هذه الآية : " ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم " رواه ابن جرير وابن أبي حاتم - رحمهما الله - .
قال الإمام ابن عطية الأندلسي المالكي - رحمه الله - في تفسير الآية : " و ( اجنبني ) معناه : امنعني ، يقال : جنبه كذا وجنبه - بتشديد النون - وأجنبه إذا منعه من الأمر وحماه منه . . . و ( بني ) أراد بني صلبه ، ولذلك أجيبت دعوته فيهم ، وأما باقي نسله فقد عبدوا الأصنام ، وهذا الدعاء من الخليل - عليه الصلاة والسلام - يقتضي إفراط خوفه على نفسه ومن حصل في رتبته ، فكيف يخاف أن يعبد صنما ؟ لكن هذه الآية ينبغي أن يقتدى بها في الخوف وطلب الخاتمة " المحرر الوجيز 8/250-251 .
وعند البخاري ومسلم - رحمهما الله - من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعا : " لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة ... " .
أخرجه البخاري في كتاب الفتن (7116) : [ باب تغير الزمان حتى تُعبد الأوثان ! ] .
ومسلم في كتاب الفتن أيضا (2906) : [ باب لا تقوم الساعة حتى تعبد دوس ذا الخلصة ! ] .
فالواجب علينا - إذن - الحذر والتحذير من الوقوع في الشرك بتعلمه وتعليمه والاستدامة على ذلك (1) خاصة ونحن في زمن شاع فيه صرف صُنوف العبادات - من الدعاء والاستغاثة والشفاعة وغير ذلك - لغير الله وحده ، وانتشرت فيه الشركيات بأنواعها في أكثر المشاهد والقباب والمواسم على وجه الخصوص .. والله المستعان .
قال الشيخ أبو السمح عبد الظاهر - رحمه الله - : " فمن الجهل وعدم الفقه في الدين : أن يلومنا اللائمون ، على تقرير التوحيد كل ليلة في دروسنا، وكثرة اشتغالنا به في كل أحوالنا ، في خطبنا ومقالاتنا وصحفنا ، وأنا أتحدى اللائم فليأتنا بآية من كتاب الله تخلو من ذكر الله وتوحيده، ولنفرض أنني كما يقول اللائم : أكرر التوحيد وأقرره وأنفي عنه شوائب الشرك ، أيلام محب بذكر محبوبه ؟
أنا رجل أحب الله ومن أحب شيئا أكثر من ذكره .
أجد الملامة في هواك لذيذة**حبا لذكرك فليمني اللُوم
إننا في عصر أصبح الشرك فيه توحيدا والتوحيد شركا ، والسنة بدعة والبدعة سنة ، والحق باطلا والباطل حقا " مقالاته ص: 181.
ومما يستدعي الخوف والوجل من الوقوع في الشرك بالله تعالى : دلالة قوله جل وعلا : { ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين } ..
قال العلامة جمال الدين القاسمي - رحمه الله - في تفسير الآية :" قيل : كان الظاهر ( لو أشركت ) لأن ( أن ) تقتضي احتمال الوقوع ، وهو هنا مقطوع بعدمه.
فالجواب : أن هذا الكلام وارد على سبيل الفرض ، والمحالات يصح فرضها لأغراض.
والمراد به تهييج الرسل وإقناط الكفرة والإيذان بغاية قبح الإشراك ، وكونه بحيث ينهى عنه من لا يكاد يمكن أن يباشره ، فكيف بمن عداه ؟ " محاسن التأويل 8/295.
فمن الضروري - إذن - شهود مشهد : [ حق الله على العباد = أن يعبدوه وحده ولا يشركوا به شيئا !! ]..، والحذر من الغفلة عن هذا المقام الجليل .. خاصة في زمن انتشرت فيه الشركيات جهلا وبفاسد التأويلات ..، وأهملت فيه الدعوة - من الكثيرين - إلى توحيد رب الأرض والسماوات ..
قال العلامة ابن عاشور - رحمه الله - : " قال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } لأنه أكبر الاعتداء إذ هو اعتداء على المستحق المطلق العظيم ؛ لأن من حقه أن يفرد بالعبادة اعتقادا وعملا وقولا لأن ذلك حقه على مخلوقاته ، ففي الحديث : ( حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ).. " التحرير والتنوير 7/332.
ومع وجود مثل هذه الأدلة الكثيرة الواضحة المحذرة من الشرك بالله ..إلا أن بعض الناس قد استهانوا بهذا الباب بدعوى أن هذه الأمة لا يخاف عليها وقوع الشرك فيها .. ، ومن أفراد منها (!!) ..، وقد استندوا في هذا إلى قوله عليه الصلاة والسلام : " والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ... " متفق عليه.
والجواب عن هذه ( الشبهة) بما ذكره الحافظ ابن حجر - رحمه الله - حيث قال في شرح الحديث :
" أي : على (مجموعكم)! ، لأن ذلك قد وقع من البعض ، أعاذنا الله تعالى منها " الفتح 3/211 ، وانظر في تقرير هذا الوجه كذلك : عمدة القاري 8/157 للعلامة العيني - رحمه الله - ، وشرح العلامة الكرماني على البخاري - رحمهما الله - 7/123 ، وشرح مسلم للعلامة النووي - رحمهما الله - 15/59 في آخرين.
أو يقال : إنه في الصحابة - رضي الله عنهم خاصة .. ، قال الحافظ : " فيه إنذار بما سيقع فوقع كما قال صلى الله عليه وسلم ... ، و ( أن الصحابة لا يشركون بعده ، فكان كذلك ).. " الفتح 6/614.
والغاية من هذا المرقوم التأكيد على ضرورة التحذير من الشرك وحفظ جناب التوحيد من باب مراعاة ( حظ الشريعة ) ، أما الحكم على المعين المتلبس بشرك فهذا شأن آخر لابد فيه من اعتبار توفر الشروط زوال الموانع من مؤهل لما يقتضيه ( حق الخلق )
ولا يتم الحكم حتى تجتمع *** كل الشروط والموانع ترتفع
وعلة لزوم هذا النهج الأصيل : ملاحظة ما قد يرد على المكلف - مما يصطلح عليه ب [ عوارض الأهلية ! ] - كالخطأ ، والجهل ، والتأويل ، وما أشبه ..
قال العلامة علاء الدين البخاري - رحمه الله - : " وسميت هذه الأمور التي لها تأثير في تغيير الأحكام ( عوارض ) لمنعها الأحكام التي تتعلق بأهلية الوجوب ، أو أهلية الأداء عن الثبوت " كشف الأسرار 4 / 370 .
والله المستعان..
.......................
(1) . أخطأ من قال أن النبي - عليه الصلاة والسلام - بدأ في دعوته بالتوحيد والتحذير من الشرك ثم انتقل عنه إلى غيره (!) ، بل الصواب أنه عليه الصلاة والسلام بدأ بالتوحيد والتحذير من الشرك ثم انتقل مع ذلك واستصحابه لا عنه إلى غيره ، فلم يترك تقرير التوحيد والتحذير مما يضاده في سائر مراحل الدعوة إلى أن لحق بالرفيق الأعلى - عليه الصلاة والسلام - .
كتبه [ يوم الخميس 3 رمضان 1445 / الموافق ل 14 مارس 2024 ] :
أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي الحسني - عامله الله بلطفه الخفي وكرمه الوفي -
تعليقات
إرسال تعليق