المرأة المسلمة وحرب المصطلحات [ مصطلح " الحرية " ! ]

 بسم الله الرحمن الرحيم 



     ** المرأة المسلمة وحرب المصطلحات 


      [ مصطلح " الحرية " ! ] 



     لما كانت الألفاظ قوالب المعاني كانت المصطلحات - عموما - وسيلة لنقل الأفكار وتوجيه العقل إلى معنى يرسخ فيه، حتى استغل كثير من الناس تلكم الألفاظ المجملة - بعد زخرفتها (!) - لترويج أنظارهم الزائغة، وتوجهاتهم المنحرفة .. 


    قال تعالى : { ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون } 


     فكم خرجت من مناهج وأفكار وآراء ونظريات باطلة بعيدة عن الصواب، ومجانبة للحقائق الإسلامية، والأحكام الشرعية من خلال ألفاظ ومصطلحات محتملة رنانة ..


   قال الإمام ابن القيم -رحمه الله- : " فكل صاحب باطل لا يتمكن من ترويج باطله إلا بإخراجه في قالب حق " إغاثة اللهفان 2/82.


      فالمصطلحات - إذن - والألفاظ المحتملة المجملة جرعة سحرية، وربما يستعلمها الناس ، فتحول اتجاه تفكيرهم من جهة إلى أخرى - إن لم تفقدهم التفكير أصلا -، وقد يتسلل هذا المصطلح إلى ( العقل العام ) دون إدراك خطورته، بأن يتم تناوله من قِبَل أصحاب المصالح الشخصية أو من لهم هوى في شيوعه وانتشاره، فيُعرض من خلال أي وسيلة متاحة مكتوبة أو مرئية أو مسموعة ، فيلتقط ويتداول ويشيع، ولا يمضي وقت قصير حتى تضاف إليه الشروح والحواشي المُضلِّلة ، وتظهر انعكاساته الضارة عن طريق تزيينه وزخرفته، فيبدأ يعطي ثماره: [ فكرا وافدا وثقافة هجينة ! ].. 


    ويمكن الاصطلاح على هذا كله بـ " حرب المصطلحات "، وممن لحقته هذه الحرب - وبشراسة - : (المرأة المسلمة)، من خلال جملة من الألفاظ المجملة المحتملة، والتي تمثل مفاتيح لأنواع المعارف والمعاني المؤثرة تأثيرا سلبيا على شخصية المرأة المسلمة من جراء تحميل هذه الألفاظ دلائل هدامة، القصد منها : مسخ هويتها وتغريبها، وتحريرها من الأحكام الشرعية، وصرفها عن مهمتها الشريفة، وجهودها المنيفة، في خدمة الدين وبناء المجتمعات على هدى من الله .. 


    ومن هذه المصطلحات: "مصطلح الحرية "، فكلمة (الحرية) كلمة مغرية، سهلة على اللسان، خفيفة الوقع على الأذن، وتميل إليها الأنفس ..


   وكلمة ( الحرية ) هي من أكثر الكلمات شيوعا واستعمالا : الأمر الذي جعلها عرضة للتزييف والتجريد، فأصبحت - عند الكثيرين - تعني كل شيء ولا شيء في الوقت نفسه (!!)..، فإن ذيوعها وانتشارها أدى إلى تنوع معانيها بحسب معقول ومرجعية مستعمليها ..


   قال أحد الحكماء : " إذا شاع اللفظ تشعبت معانيه بحسب معقول مستعمليه ". 


     والقصد أنه ربما يفسر هذا اللفظ شخص بخلاف تفسير غيره .. 


    ولذا نادى من يريد مسخ هوية المرأة المسلمة بـ ( الحرية المطلقة ) ومعناها : " الخلوص من كل قيد والقدرة على الفعل مطلقا "!!.


    فهم يرون أن ( الحرية المطلقة ) بالنسبة للمرأة من الشروط الضرورية لتقدمها (!)، ومن الحقوق الأصيلة لتنميتها - زعموا - (!!). 


    فحرضوا المرأة لمخالفة  أحكام الشريعة بدعوى الحرية ، وصوروا لها التقوى والعفاف، والحجاب الشرعي، والصلاة والصيام...،  مما يقيدها عن الحرية والانطلاق ..


    ودعوها إلى المحافظة على حقوقها، وقالوا : هذا مقتضى حريتها، فإذا فتشت الأخت الكريمة عن حقيقة ذلك وجدته دعوة إلى إباحية مطلقة، وإشاعة للفاحشة ..، يدعون إلى حرية المرأة، وفي الحقيقة يريدون حرية الوصول إلى المرأة .. 


    ودعوها إلى تلبية رغباتها بدعوى الحرية، فإذا فتشت الأخت الفاضلة عن حقيقة ذلك وجدته من تقديم الإغراءات الدنيوية المثيرة، والزخارف الفانية، والنماذج الفاضحة الفادحة ، والشهوات المؤججة ، وبطون لا تشبع ، وزينة وتنافس هابط فتان .


    ودعوها إلى الحفاظ على شخصيتها وكيانها بدعوى الحرية، فإذا فتشت الأخت المسلمة عن حقيقة ذلك وجدته دعوة لإشعال نار العداوة والبغضاء بينها وبين الرجل تحت قناع أنها - على الإطلاق وفي سائر الأحوال (!) - : بنت مكبوتة ، وزوجة مظلومة، وأم مهدورة ، وأخت مكسورة . 


    دعوها إلى الانفتاح على الآخر بدعوى الحرية فإذا فتشت المرأة الواعية عن ماهية ذلك وجدته دعوة إلى تذويب شخصيتها الإسلامية في شخصية المرأة الغربية والتنازل عن قيمها الشرعية ..


    يدعونك – أختي المسلمة – إلى إبداء رأيك في كل شيء ، والتعبير عن فكرك في كل ما يَعرض بدعوى الحرية، مع أن حقيقة ذلك : أنهم يريدون صنعك حتى تكوني أداة لهدم أصول وكليات شريعة رب العالمين، ومتمردة على عقائد وأحكام الدين ..


    دعوها إلى الاجتهاد والنظر مطلقا بدعوى الحرية، فإذا فتشت الأخت المسلمة عن حقيقة ذلك وجدته دعوة إلى تبديل وتحريف أحكام دينها ..


    دعوا المرأة – خصوصا – إلى النقد الحر بدعوى الحرية فبعدما نظرنا إلى حقيقة ذلك وجدناه دعوة إلى مضادة أحكام الشرع، والجرأة على حرمات رب العالمين .. 


   دعوها إلى التعايش والتسامح بدعوى الحرية، فإذا فتشت المرأة المسلمة عن حقيقة ذلك وجدته مناداة لتفريغها من عقيدتها الصحيحة..، والله المستعان.


     إلى غير ذلك من الدعاوى الكاذبة الباطلة التي تُخرج المرأة المسلمة من بحبوحة الحرية الحقة التي ضمنتها الشريعة لها بعدل وحكمة إلى دعاوى الحرية المطلقة الزائفة التي ما ينتج عنها إلا المآسي والبلايا، والمخالفات والرزايا .. 


    حتى اشتهر في العالَم قول مدام رولان : " أيتها الحرية كم من الجرائم قد ارتكبت باسمك (؟!) " أركان حقوق الإنسان للمحمصاني ص: 73 ، وانظر حقوق الإنسان للترمانيهي ص : 14. 


    فاحذري أيتها الأخت المسلمة من حرب المصطلحات هذه فإنها حرب شرسة، وأنت على أرض معركتها، واحذري المخادعة ، فإن " الحرب خدعة "، واعلمي وبيقين أن الإسلام كفل لك الحرية الحقيقية والحقة، حيث أن حرية الإنسان في التشريع الإسلامي هي: رحمة و فريضة إلهية تتأسس عليها أمانة المسؤولية ورسالة الاستخلاف - أعني استخلاف الله للإنسان في الأرض لتحقيق عبوديته – التي هي جماع المقاصد الإلهية من خلقه سبحانه لنا، فـ [ المرأة في الإسلام عِرض يُصان، و مخلوق يُرحَم ! ]. 


    قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - : " فالحر من تخلص من رق الماء والطين، وفاز بعبودية رب العالمين، فاجتمعت له العبودية والحرية، فعبوديته من كمال حريته، وحريته من كمال عبوديته " المدارج 2/29. 


     فمن أراد الحرية الحقيقية له ولغيره من غير أن يتخذ الشرع طريقا للرشد و الهداية فهو يمشي في ظلام وعماية، ونهاية أمره التخبط والضلال فلا مندوحة – إذن - لأحد يدعو إلى الحرية عن الرجوع إلى الشرع والركون إليه، والانطلاق منه ، فالإسلام كفل الحرية الحقة للجميع من غير إفراط ولا انفلات، وفي مختلف المجالات .. 


    قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم } 


     قال الإمام البخاري - رحمه الله - في صحيحه عند باب : { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم } : " استجيبوا : أجيبوا، لما يحييكم : يُصلحكم ". 


    وعليه؛  فإن كل دعوة للحرية مهما كان حجمها ، وأيا كان منطلقها أو الصائح بها إذا لم تكن قائمة على اتباع الشرع المنزل فهي حرب ضروس ودعوة للتنازع، ورفع للقيود مطلقا، ومناداة للتسيب، وسلوك لمسلك الضياع والدمار والفوضى. 


    قال الشيخ الرحالي الفاروق المغربي – رحمه الله - :" لقد عنى التشريع الإسلامي عناية كبرى بحياة المرأة المسلمة، واهتم بوضعها اهتماما صادقا، وحكم في أمرها حكما عادلا، فرفع منزلتها، وأجل مكانتها، وقوى في النفوس وفي المجتمع مركزها، وعرَّف بحقوقها ومصالحها، وأوصى برعايتها وإطابة عشرتها، وحرسها من نقص الجاهلية والجهالة، وصرفها عن دين التبرج والسفالة، وكلفها كما كلف أخاها، واختصها ببعض الأحكام وفقا لعادتها، وجريا على طبعها " مقالات ومحاضرات الشيخ الرحالي الفاروق 2/8.


   ولذا فشعار الحرية لا يصلح أن يرفعه بحق إلا من اتخذ الشريعة دليلا، أما من تحرروا من ضوابط الشرع، واتخذوا هواجس الأفكار، وسوانح الخواطر، وزبالات الأذهان فكرا وعلما ورأيا، ووضعوا لذلك الكتابات والرسائل وأنفقوا فيها الأنفاس (!!) ..، فيصدق فيهم قول القائل: " إنهم طافوا على أرباب المذاهب ففازوا بأخس المطالب " الفوائد لابن القيم - رحمه الله – ص: 105 .



     كتبه [ يوم الخميس 27 رجب 1442 هـ / الموافق لـ 11 مارس 2021 م ] :


      أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي الحسني - عامله الله بلطفه الخفي وكرمه الوفي -

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

** إيقاظ وتذكير لطلاب العلم : [ أسباب الشك في بعض كلام العلماء ! ]

** من علم التاريخ زاد عقله ..

مفهوم قوامة الرجل على المرأة (!)