** شحذ الهمم في بيان مشاهد شرعية من حديث : ( يوشك أن تداعى عليكم الأمم )

 بسم الله الرحمن الرحيم 


           

    ** شحذ الهمم في بيان مشاهد شرعية من حديث : ( يوشك أن تداعى عليكم الأمم ) 



     عن ثوبان - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - عليه الصلاة والسلام - : " يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها . فقال قائل : ومن قلة نحن يومئذ ؟ قال : بل أنتم يومئذ كثير ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم ، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن . فقال قائل : يا رسول الله وما الوهن ؟ . قال : حب الدنيا وكراهية الموت " . 


    * رواه أحمد و أبو داود وجود إسناده الإمام الهيثمي في مجمع الزوائد ، و صححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ، وقال الشيخ ابن باز في مجموع فتاويه : إسناده حسن. 



  * يوشك : للدلالة على القرب ، فهو من أفعال المقاربة / تداعى : أي دعاء بعضهم بعضا / الغثاء : ما يحمله السيل من زبد ووسخ / ينزعن : يخرجن / المهابة : الخوف والرعب / يقذفن : يرمين / الوهن : الضعف .


    - تنبيه : تفسير النبي عليه الصلاة والسلام الوهن بحب الدنيا وكراهية الموت هو من باب ذكر سبب الوهن  .. فتأمل. 



     هذا الحديث الصحيح الشريف الذي يخبر فيه النبي - عليه الصلاة والسلام - عما أطلعه الله عليه من الغيب يتضمن فوائد كثيرة.. ، وتقريرات بديعة.. ، و رأيت بيان (أهم) ذلك من خلال جملة من المشاهد الشرعية التي ينبغي شهودها علما وعملا .. قصد شحذ الهمم لمزيد التعرف على ذلك .. ، يقال لغة : شحذ همته : نشطها ، قواها ، أثارها .


        وإليكم المشاهد باختصار شديد :



 1 - [ مشهد التحذير والشفقة والرحمة ] : 


     ويتجلى هذا من الحديث في إخباره - عليه الصلاة والسلام - بتداعي الأمم على الأمة المصطفوية تحذيرا لها وشفقة ورحمة بها { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم } .. 



2 - [ مشهد التسلط ] : 


    ويتجلى هذا من الحديث في إخباره عليه الصلاة والسلام بتداعي الأمم الذي حقيقته : ( تسلط الأعداء )!  ..، و أساس هذا التسلط : ذنوبنا ومعاصينا..، { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم } .. 


    واستحضار هذا المفهوم الشرعي - ما يُصيبنا فبسبب ذنوبنا - يحمل على الرجوع إلى أنفسنا - أصالة - لإصلاحها، ويُثمر الشعور بالشموخ على عدونا واستصغاره، مما يُفيد في تقوية الروح المعنوية للمسلمين، وفي ذلك يقول الإمام ابن القيم - رحمه الله - في نونيته عن الأعداء :


لا تخش كثرتهم فهم همج الورى *** وذبابه أتخاف من ذبان 



3 - [ مشهد السؤال خاصة زمن الفتن ] : 


  ويتجلى هذا من الحديث في سؤال الصحابة - رضي الله عنهم - : ( ومن قلة نحن يومئذ )؟! ..، ( وما الوهن )؟ ..، فسؤال أهل العلم زمن الفتن خاصة من دلائل الاستبصار .. 



4 - [ مشهد الحرص على ما ينفع ] :


  ويتجلى هذا من الحديث في عدم سؤال الصحابة - رضي الله عنهم - عن ( تفاصيل )! كيفية تسلط العدو من غير حاجة .. ، وإنما كان سؤالهم عما ينفعهم عملا بقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم }، و أخذا بوصيته عليه الصلاة والسلام : " احرص على ما ينفعك "! ..، ويتأكد هذا زمن الفتن والمحن خاصة .. 



5 - [ مشهد حقيقة النصر ] : 


   ويتجلى هذا من الحديث في بيان أن النصر الشرعي المرتبط بتوفر الشروط وزوال الموانع لا يتعلق بقلة العدد أو كثرته ..، وإنما النصر هو من عند الله تعالى ..، وهو منوط بنصرنا لربنا جل وعلا ، { إن تنصروا الله ينصركم } ..



6 - [ مشهد الاستضعاف ] : 


  ويتجلى هذا من الحديث في قوله - عليه الصلاة والسلام -  : ( ولكنكم غثاء كغثاء السيل )  ..، وهو كناية عن الضعف بسبب حب الدنيا وكراهية الموت .. ، وتحت هذا المشهد إلماحة لضرورة مراعاة " فقه الاستضعاف "! ..بمبعدة عن التخذيل و الانهزام ..، وبعيدا عن الاستعجال و الانفعال ..



7 - [ مشهد التعلق بالله تعالى والتضرع إليه سبحانه ] : 


  ويتجلى هذا من الحديث في إخباره عليه الصلاة والسلام بنزع المهابة من صدور عدونا - و لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق .. كما في الحديث الصحيح - ، وقذفه الوهن في قلوبنا  ..


    فالأمر - إذن - لله من قبل ومن بعد .. ، مما يستدعي التعلق به تعالى والتضرع إليه جل وعلا .. 



8 - [ مشهد العزة ]  : 


  ويتجلى هذا من الحديث في قوله عليه الصلاة والسلام  : " ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم " ..، مما يدل على أن مهابة العدو من أمتنا كانت حاصلة.. ، وسبب حصولها : ( تمسكها بدينها كما ينبغي )!  ..، وهذا يستوجب ضرورة اعتزاز الأمة الإسلامية بدينها كما يجب اعتقادا وتطبيقا ..، فـ " مهما طلبنا العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله " ..



9 - [ مشهد الاعتناء بتصحيح أعمال القلوب ] : 


   ويتجلى هذا من الحديث في قوله عليه الصلاة والسلام  : " وليقذفن الله في قلوبكم الوهن " ..، وهذا يعني أن الضعف أساسه من القلوب .. ، مما يستدعي الاعتناء بتصحيح القلوب وحملها على السلامة .. ، { وثيابك فطهر }   أي : قلبك فطهر كما قال جماهير علماء التفسير  ..



10 - [ مشهد التعلق بالآخرة ، والحذر من التعلق بالدنيا ] : 


   ويتجلى هذا من الحديث في تفسيره - عليه الصلاة والسلام - الوهن بأنه : " حب الدنيا وكراهية الموت "  ..


    فالواجب إذن تعلق القلوب بالله والدار الآخرة.. ، والحذر من التعلق بالدنيا واللهث وراء زينتها .. 



    وبه نهاية المشاهد  ..، وهي عشرة كامله.. ، أسأل الله تعالى أن يجعلها نافعة ..



    كتبه [ يوم الأحد 4 شوال 1442 هـ / الموافق لـ 16 ماي 2021 م ] :


    أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي الحسني - عامله الله بلطفه الخفي وكرمه الوفي -

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

** إيقاظ وتذكير لطلاب العلم : [ أسباب الشك في بعض كلام العلماء ! ]

** من علم التاريخ زاد عقله ..

مفهوم قوامة الرجل على المرأة (!)