إيقاظ : [ من أشراط الساعة التماس العلم عند الأصاغر ! ]

 بسم الله الرحمن الرحيم 



        ** إيقاظ :


 [ من أشراط الساعة التماس العلم عند الأصاغر ! ] 



   مما يصيب العلم في آخر الزمان تصدر الأصاغر له وتلقي الناس عنهم، والتماسه منهم كما في الحديث عن أبي أمية الجمحي - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر " رواه ابن المبارك في الزهد وغيره وهو في صحيح الجامع.


   وهذا الحديث سيق للتحذير من أخذ العلم والتماسه من غير أهله لأنه من تضييع الأمانة، وقد كثر هؤلاء جدا - خاصة - في ظل وسائل التواصل المتنوعة التي جرأتهم على رياض العلم وميدان الدعوة، من غير معرفة وفهم، ولا تجربة وتؤدة، فتجد الواحد منهم يكتب تدوينة أو تغريدة أو بيانا، أو يسجل مقطعا أو تجده في بث مباشر من غير إحكام ولا ضبط ولا استحياء فعظمت الفوضى العلمية والدعوية ..، وتبدى تجاوز المسالك الدعوية لأهل العلم وتوجيهاتهم في هذا الباب، فليست العبرة بالظواهر وإنما بالحقائق (!). 


   قال الحافظ في الفتح 1/94 عند بيان معنى قوله عليه الصلاة والسلام : " فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة فقال السائل: كيف إضاعتها؟ قال إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة " : " ومناسبة هذا المتن لكتاب العلم أن إسناد الأمر إلى غير أهله إنما يكون عند غلبة الجهل ورفع العلم وذلك من جملة الأشراط ومقتضاه أن العلم ما دام قائما ففي الأمر فسحة وكأن المصنف ( أي: البخاري ) أشار إلى أن العلم إنما يؤخذ عن الأكابر، تلميحا لما روي ...أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : [ من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر ] ".


     وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال : " إنكم لن تزالوا بخير ما دام العلم في كبرائكم فإذا كان العلم في صغاركم سفه الصغير الكبير" جامع بيان العلم 1/617. 


    والأصاغر في الحديث السابق ذكره اختلف العلماء في حقيقتهم : من هم ؟ على أقوال عدة :


أولا: أنهم أهل البدع .. 


  قال الإمام  عبد الله بن المبارك - رحمه الله - : " أتاهم العلم من قبل أصاغرهم يعني : أهل البدع" حاشية كتاب الزهد تحقيق الأعظمي، وانظر فيض القدير 2/676.


ثانيا: أن المراد بالأصاغر أن يؤخذ العلم عمن بعد الصحابة ممن يقدم رأيه على رأيهم.


   قال الإمام أبو عبيد - رحمه الله - : " والذي أرى أنا في الأصاغر أن يؤخذ عمن كان بعد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقدموا ذلك على رأي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمهم فذلك أخذ العلم عن الأصاغر" جامع بيان العلم 1/612. 


ثالثا: أن الأصاغر هم الذين لا علم عندهم .. 


   فقد نقل الحافظ ابن عبد البر - رحمه الله - عن بعض أهل العلم أنهم قالوا في الصغير : الذي يُستفتى ولا علم عنده ولو كان كبير السن وأن الكبير هو العالم في أي سن كان. جامع بيان العلم 1/617. 


    ويشهد لهذا القول قوله عليه الصلاة والسلام كما في البخاري : " إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ".


    قال الحافظ في الفتح 1/164 : " في هذا الحديث الحث على حفظ العلم والتحذير من ترئيس الجهلة وفيه أن الفتوى هي الرياسة الحقيقية وذم من يقدم عليها بغير علم ".


   وقال العلامة المناوي - رحمه الله - في فيض القدير 3/220 عند شرح قوله عليه الصلاة والسلام : " البركة مع أكابركم" الصحيحة : ".. وقد يكون الكبير في العلم أو الدين فيقدم على من هو أسن منه ".


رابعا: أن المراد بالأصاغر من كان صغير السن، وهذا في حالة استقلاله باستنباط الأحكام والفتيا والنظر والتقرير ، وأما إذا كان ينقل عن العلماء والأكابر بالفهم الصحيح، والمسلك المليح فإنه يُحمد ولا يذم.


    سئل الإمام ابن المبارك - رحمه الله - : " من الأصاغر ؟ قال: الذين يقولون برأيهم، فأما صغير يروي عن كبير فليس بصغير" الزهد له ص:  260.



    وهذه الأقوال كما هو ظاهر كلها صحيحة، أي أنها من باب اختلاف التنوع .. والله الموفق.



      كتبه [ يوم السبت 20 ذو الحجة 1442 هـ / الموافق لـ 31 يوليو 2021 م ] :


     أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي الحسني - عامله الله بلطفه الخفي وكرمه الوفي -

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

** إيقاظ وتذكير لطلاب العلم : [ أسباب الشك في بعض كلام العلماء ! ]

** من علم التاريخ زاد عقله ..

مفهوم قوامة الرجل على المرأة (!)