وقفات مع قوله تعالى : { أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير }

 بسم الله الرحمن الرحيم 



    ** وقفات مع قوله تعالى : { أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير }



   عند وقوع الحوادث والبلايا، والوقائع والرزايا على اختلاف صورها، وتفاوت خطرها يتم الحديث عند ذلك عن الأسباب الدافعة لحصولها ..


    إلا أنه غالبا ما يكون الكلام عن [ الأسباب التبعية ! ]، ولا شك أن التقويم في خصوصها والنصح، أو النهي عن المنكر المتعلق بها مما هو مطلوب ..، ويتأكد - أكثر - عند التقصير  غاية في الاستقامة على ديننا بشرط مراعاة آداب ذلك وشروطه وضوابطه ( = فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق منهج السلف الصالح )..


   لكن؛ قلَّ من يتحدث عن [ السبب الأصلي ! ] لحلول الرزايا ..، مما جعلنا - إلا من رحم الله - في غفلة عنه، مع أن اعتباره - لنجتنبه - يُعد أساس أي استصلاح شرعي ..


   ويتمثل هذا السبب الأساس في : [ اقتراف الذنوب والمعاصي ! ]، مما يستدعي جعل التوبة إلى الله والرجوع إليه ( أهم) ما يجب الحديث عنه عند وقوع البلايا ..


    قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - :  " فكل نقص وبلاء، وشر في الدنيا والآخرة، فسببه الذنوب، ومخالفة أوامر الرب، فليس في العالَم شر قط إلا والذنوب موجبتها " مدارج السالكين 424/1. 


     وتقرير هذا الشأن من خلال وقفات مع قوله تعالى : { أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير }


- الوقفة الأولى : سبب نزول هذه الآية ما حصل في أُحد، فعُلقت الهزيمة بما كسبت أيدي أهل الإيمان، و " العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب " كما هو مقرر ..


    وعليه؛ فدلالة الآية عامة عند حلول أي بلية أو مصيبة ..، مع التنبه أن الخطاب فيها موجه للصحابة - رضي الله عنهم - أصالة مع كونهم أفضل الأمة بعد نبيها - عليه الصلاة والسلام - ، فكيف بمن دونهم  (!!)..


- الوقفة الثانية : قوله تعالى في الآية : { قلتم أنى هذا } هو السؤال نفسه الذي يتكرر عند حلول البلايا ، فجاء الجواب من رب العالمين مباشرة : { قل هو من عند أنفسكم } لتقرير السبب الأصلي لحدوث الرزايا، ولفت النظر إلى حقيقة قرآنية في هذا المقام ..، ويؤكدها قوله تعالى : { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير }.


- الوقفة الثالثة : قوله تعالى : { قل هو من عند أنفسكم } يدل على التوجيه إلى ضرورة :  الاهتمام ( أكثر ) بأصل العلل والمشاكل [ = ذنوبنا ! ] ، و التفريق بين أساس ذلك [ = معاصينا ! ] وما هو عَرَض ..، وأن نتعامل مع كل أمر حسب مرتبته عند الشأن الاستصلاحي ، فعدم مراعاة مراتب الأمور = من الإخلال بالحقائق الشرعية ..



- الوقفة الرابعة : قوله تعالى في الآية  : { قل } للدلالة على إعلان هذه الحقيقة الشرعية وإشهارها، لتنتشر بين الناس، حتى يسيروا وفقها دون غفلة عما تقتضيه عند معالجة القضايا، وعند حصول المصائب والبلايا ..


- الوقفة الخامسة : لم يقل سبحانه : { قل هو من أنفسكم }، وإنما قال : { قل هو من عند أنفسكم ) لتأكيد هذه الحقيقة الشرعية ..


     قال العلامة السعدي - رحمه الله - عند تفسير الآية : " { قلتم أنى هذا } أي : من أين أصابنا ما أصابنا وهزمنا، { قل هو من عند أنفسكم } حين تنازعتم وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون، فعودوا على أنفسكم باللوم، واحذروا من الأسباب المردية " تيسير الكريم الرحمن ص : 156. 



- الوقفة السادسة : قوله تعالى في الآية : { من عند أنفسكم } أي : أصل المشكل في" الأنفس " باقترافها للمعاصي ، ولأجله فـ [ أساس الاستصلاح : صلاح الأنفس وإصلاحها !! ] ..


     نعم؛ مع النصح والتقويم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - كما سبق معنا - بناء على ما تقتضيه الشريعة وفقهها في هذا الصدد ، لكي نسلك في ذلك المسلك الوسط بعيدا عن المنهزمة، وبمبعدة عن المنفعلة ..


    قال العلامة ابن باديس - رحمه الله - : " فصلاح النفس هو صلاح الفرد، وصلاح الفرد هو صلاح المجموع، والعناية الشرعية متوجهة كلها إلى إصلاح النفوس، إما مباشرة وإما بواسطة، فما من شيء مما شرعه الله تعالى لعباده من الحق والخير والعدل والإحسان إلا وهو راجع عليها بالصلاح. وما من شيء نهى الله تعالى عنه من الباطل والشر والظلم والسوء إلا وهو عائد عليها بالفساد، فتكميل النفس الإنسانية هو أعظم المقصود من إنزال الكتب وإرسال الرسل وشرع الشرائع " آثار ابن باديس 1/ 232- 233. 



- الوقفة السابعة : قوله تعالى في خاتمة الآية : { إن الله على كل شيء قدير  } فيه التذكير بأن الله قادر على تغيير حالنا وإصلاحه ، ورفع المصيبة عنا، إذا رجعنا إلى أنفسنا - أصالة - بالتوبة الصادقة إليه سبحانه ..


    قال تعالى : { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم }


   وقال الإمام ابن القيم - رحمه الله - : " من عقوبات الذنوب أنها تزيل النعم، وتُحل النقم، فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، ولا حلت به نقمة إلا بذنب .." الجواب الكافي ص : 74.



      كتبه [ يوم الخميس 28 ربيع الأول 1443 هـ / الموافق لـ 4 نوفمبر 2021 م ] :


     أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي الحسني - عامله الله بلطفه الخفي وكرمه الوفي -

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

** إيقاظ وتذكير لطلاب العلم : [ أسباب الشك في بعض كلام العلماء ! ]

** من علم التاريخ زاد عقله ..

مفهوم قوامة الرجل على المرأة (!)