[ بئس الزاد إلى المعاد : العدوان على العباد ! ]
بسم الله الرحمن الرحيم
** قال الله تعالى في الحديث القدسي : ( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا )
[ بئس الزاد إلى المعاد : العدوان على العباد ! ]
الظلم من أقبح أصول المنكرات، لما يترتب عليه من العدوان والمخالفات ..
قال تعالى : { إنه لا يفلح الظالمون }
وقال تعالى : { إن الله لا يهدي القوم الظالمين }
فالظلم بحر النوائب، ويُصيب بالمصائب، كما أن العدل يحمي الجوانب، ويُحسن العواقب، ويُخلص من النوائب ..
ولذا فإن [ العلم والعدل هما أساس التقدم، و الظلم والجهل هما أصل التقهقر ! ] ..
فالظلم أسرع إلى تبديل النعم، وتعجيل النقم من الطير إلى الأوكار، ومن الماء إلى الانحدار ..
والظلم يتسبب في حدوث الفوضى والبلاء، ويزرع الحقد والبغضاء، ويُولد الحسد والشحناء ..
الظلم يورث بين الناس شدة الغليان، وتضطرب به البلدان ..
فهو - كما قال ابن خلدون رحمه الله - " مؤذن بخراب العمران " المقدمة ص : 288.
وشاهد هذا قوله تعالى : { فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا }
وفي الأثر : " لو بغى جبل على جبل لجعل الله الباغي منهما دكا "!
قضى الله أن البغي يصرع أهله *** وأن على الباغي تدور الدوائر
ولأن الظلم قبيح غاية قال الله تعالى في الحديث القدسي : " يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا .. " رواه مسلم.
▪️قوله : ( إني حرمت ) : " إن " حرف توكيد ونصب ..، و فائدته هنا : تأكيد حرمة الظلم، فهو في الدنيا بوار، وفي الآخرة دمار ..
▪️وقوله : ( حرمت) / ( محرما ) تنصيص على تحريم الظلم، وتَكرار ذلك لإفادة قُبحه غاية ..، وفي الحديث الصحيح قال عليه الصلاة والسلام : " الظلم ظلمات يوم القيامة ".
▪️ وقوله : ( فلا تظالموا ) : تأكيد بعد تأكيد على حرمة الظلم، وهذا النهي يشمل :
- حرمة الظلم ابتداء ..
- وحرمة دفع الظلم بالظلم ..
▪️وقوله : ( إني حرمت الظلم .. ) : " ال" في كلمة الظلم : تدل على الاستغراق، والفائدة : تحريم الظلم بجميع أنواعه وصوره وجِماع الأمر :
- الظلم بالأقوال و الأفعال ..
- الإعانة على الظلم أو الرضا به ..
- ظلم بين الإنسان وربه وأعظمه : الكفر والشرك والنفاق ..
- ظلم الناس بعضهم لبعض ويكون بالتعدي، وعدم أداء الحقوق لمستحقيها .. وما أشبه.
- ظلم العبد لنفسه باقتراف الذنوب والمعاصي ..
▪️ومن دلائل قُبح الظلم غاية في الحديث أعلاه : أن الله تعالى حرّمه على نفسه وعلينا ..، فـ [ ويل للظالم من يوم المظالم ! ].
والظلم بجميع صوره وأنواعه يشتمل على جرمين اثنين عامين :
- أولهما : العدوان على الحقوق المستحقة لنفسك وغيرك ..
قال العلامة ابن خلدون - رحمه الله - : " المانعون لحقوق الناس ظَلمة " المقدمة ص : 288 .
- ثانيهما : مخالفة ما أُمرنا به شرعا ألا وهو : ( العدل )..
قال الإمام ابن حزم - رحمه الله - : " أفضل نعم الله تعالى على المرء أن يطبعه على العدل وحبه، وعلى الحق وإيثاره " مداواة النفوس ص : 90.
فـ " من عدل نَسَك، ومن ظلم هلك، إلا من تاب وأمسك، ورد المظالم واستدرك، فنعمَ السبيلَ سلك "! ..
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - : " الناس لم يتنازعوا في أن عاقبة الظلم وخيمة، و عاقبة العدل كريمة " الفتاوي 28/ 62 - 63 .
فالحذر الحذر - عبد الله - من ظُلمك للعباد خصوصا إذا أنيطت بك مسؤولية ما تُمكنك من القدرة على الظلم ..
كتب عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - إلى بعض عماله : " أما بعد ؛ فقد أمكنتك القدرة من ظلم العباد، فإذا هممت بظلم أحد فاذكر قدرة الله عليك، واعلم أنك لا تأتي الناس شيئا إلا كان زائلا عنهم باقيا عليك، والله آخذ للمظلوم من الظالم والسلام " فيض القدير للعلامة المناوي - رحمه الله - 469/5.
وختاما : اعلم أن الأساس الذي يمنع المرء من ظلم نفسه وغيره : [ صلاح قلبه = تزكية النفس ! ] ..
قال الإمام ابن الجوزي - رحمه الله - : " إنما ينشأ الظلم من ظلمة القلب، لأنه لو استنار بنور الهدى لاعتبر " الفتح للحافظ ابن حجر - رحمه الله - 100/5.
كتبه : [ يوم الأحد 22 ربيع الآخر 1443 هـ / الموافق لـ 28 نوفمبر 2021 م ] :
أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي الحسني - عامله الله بلطفه الخفي وكرمه الوفي -
تعليقات
إرسال تعليق