** علاقة التقوى وسلامة القلب ب ( حسن التصور وفتح المُغلق من المسائل ) ..

بسم الله الرحمن الرحيم


     ** علاقة التقوى وسلامة القلب ب ( حسن التصور وفتح المُغلق من المسائل ) ..

   - بيان شرعي ، ونظر علمي ، وتقرير تزكوي -



    معلوم مقرر أنه من آثار الذنوب والمعاصي : [ سلب العلم والخير والهدى ! ] ..

     قال شيخ الإسلام - رحمه الله -:" والله سبحانه جعل مما يعاقب به الناس على الذنوب سلب الهدى والعلم النافع، كقوله: { وقالوا قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم }...{ فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم } " 1.

      وكَشَف عن هذا الأمر - كذلك - تلميذه الإمام ابن القيم - رحمه الله - حيث قال في معرض الحديث عن آثار الذنوب : " فمنها : (حرمان العلم) ، فإن العلم نور يقذفه الله في القلب، والمعصية تطفئ ذلك النور.
    ولما جلس الإمام الشافعي بين يدي مالك وقرأ عليه أعجبه ما رأى من وفور فطنته، وتوقد ذكائه، وكمال فهمه، فقال: ( إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورا، فلا تطفئه بظلمة المعصية ).

     وقال الشافعي إلى وكيع - رحمهما الله - :

شكوت إلى وكيع سوء حفظي **** فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال اعلم بأن العلم فضل **** وفضل الله لا يؤتاه عاصي " 2.

    وقال كذلك عن الذنوب: " ومن عقوباتها: أنها تعمي بصيرة القلب، وتطمس نوره، وتسد طرق العلم، وتحجب مواد الهداية " 3 .

    وعليه؛ فإن الله تعالى بمنته يفتح على الناظر في العلم بتقواه لربه سبحانه، وبُعده عن الذنوب والمعاصي، وعن معارضات السوء، فيعينه ذلك على [ جودة التصور للأمور ، وانكشاف الحق والصواب ! ] ..

     قال الإمام الشافعي - رحمه الله -:" من أحب أن يفتح الله له قلبه أو ينوره فعليه ب ( ترك الكلام فيما لا يعنيه) ، و (ترك الذنوب واجتناب المعاصي)، ويكون له فيها بينه وبين الله (خبيئة من عمل) ، فإنه إذا فعل ذلك = فتح الله عليه من العلم ما يُشغله عن غيره .. " 4 .

    ومن هذا قول أهل العلم : " الاستغفار يفتح الأقفال "، أي : يفتح المشكل من الأمور العلمية...،  و المغلق من المسائل المعرفية ..

    في العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ص : 22 للإمام ابن عبد الهادي - رحمه الله - أن شيخ الإسلام - رحمه الله - كان يقول : " إنه ليقف خاطري في المسألة والشيء أو الحالة التي تُشكل عليّ فأستغفر الله تعالى ألف مرة أو أكثر أو أقل حتى ينشرح الصدر وينحلّ إشكال ما أشكل".

    وفي إعلام الموقعين للإمام ابن القيم - رحمه الله -  4/132 قال : " وشهدت شيخ الإسلام - قدس الله روحه - إذا أعيته المسائل واستصعبت عليه فرّ منها إلى التوبة والاستغفار والاستغاثة بالله واللّجأ إليه، و استنزال الصواب من عنده، و الاستفتاح من خزائن رحمته، فقلما يلبث المدد الإلهي أن يتتابع عليه مدّا، وتزدلف الفتوحات الإلهية إليه بِأَيَّتِهِنَّ يبدأ ".

   ولأجل هذا التقرير نجد العلماء قد بينوا ضرورة تحقيق التقوى والتضرع إلى الله، والقرب منه عند الكلام على المفتي وما ينبغي أن يكون عليه.

     قال الإمام ابن القيم - رحمه الله -:" حقيق بالمفتي أن يكثر الدعاء بالحديث الصحيح: ( اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) ،وكان شيخنا كثير الدعاء بذلك وكان إذا أشكلت عليه المسائل يقول: ( يا معلم إبراهيم علمني )، ويكثر الاستعانة بذلك اقتداء بمعاذ بن جبل - رضي الله عنه - حيث قال لمالك بن يخامر السكسكي عند موته وقد رآه يبكي فقال: والله ما أبكي على دنيا كنت أصيبها منك ولكن أبكي على العلم والإيمان اللذين كنت أتعلمهما منك. فقال معاذ بن جبل - رضي الله عنه -: ( إن العلم والإيمان مكانهما من ابتغاهما وجدهما اطلب العلم عند أربعة عند عويمر أبي الدرداء، وعند عبد الله بن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وذكر الرابع فإن عجز عنه هؤلاء فسائر أهل الأرض عنه أعجز فعليك بمعلم إبراهيم - صلوات الله عليه - ) .
      وكان بعض السلف يقول عند الإفتاء: ( سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ).
   وكان مكحول يقول : ( لا حول ولا قوة إلا بالله)  . وكان مالك يقول: ( ما شاء الله لا قوة إلا بالله العلي العظيم ) .
    والمعول في ذلك كله على حسن النية وخلوص القصد وصدق التوجه في الاستمداد من المعلم الأول معلم الرسل والأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - فإنه لا يرُد من صدق في التوجه إليه لتبليغ دينه وإرشاد عبيده ونصيحتهم والتخلص من القول عليه بلا علم فإذا صدقت نيته ورغبته في ذلك لم يعدم أجرا إن فاته أجران والله المستعان.
    وسئل الإمام احمد فقيل له ربما اشتد علينا الأمر من جهتك فمن نسأل بعدك فقال: ( سلوا عبد الوهاب الوراق فإنه أهل أن يوفق للصواب) .
    واقتدى الإمام احمد بقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - : ( اقتربوا من أفواه المطيعين واسمعوا منهم ما يقولون فإنهم تتجلى لهم أمور صادقة ).
    وذلك لقرب قلوبهم من الله وكلما قرب القلب من الله زالت عنه معارضات السوء وكان نور كشفه للحق أتم وأقوى، وكلما بعد عن الله كثرت عليه المعارضات، وضعف نور كشفه للصواب ، فإن العلم نور يقذفه الله في القلب 5 يفرق به العبد بين الخطأ والصواب .." 6 .

    قال تعالى : { ياأيها الذين ءامنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا }.

     قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - عقب هذه الآية : " ومن الفرقان : النور الذي يفرق به العبد بين الحق والباطل وكلما كان قلبه أقرب إلى الله كان فرقانه أتم، وبالله التوفيق "7 .

     ومن نفيس الكلام في هذا الباب ما ذكره الفقيه محمد المكي بن عزوز المالكي - رحمه الله - حيث قال: " والحق له نور، وصاحبه مؤيد منصور ..، ولا تُنال هذه المرتبة إلا بمدد يستنير به القلب من مشكاة الفضل والرحمة، { ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء }
     وإلى ذلك أشار مالك - رحمه الله - بقوله: ( الحكمة والعلم: نور يهدي به الله من يشاء، وليس بكثرة المسائل)
   { ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور }
   نعم ؛ لا بد من السعي والجد في طلب الحق من العلوم تعرضا لنفحات الله امتثالا لحكمته تعالى في ربط المسببات بالأسباب، فإن المحققين ما نالوا حقائق العلوم إلا بالشوق إليها والنهمة 8 فيها بحرقة تجمع أطراف الفكر إلى ما هو بصدده، وهي حرقة نور لا حرقة نار،
وخصلة الإنصاف ملاك الأمر كله 9 ، ومن يصده العناد والحسد عن الإذعان للحق فلا التفات لمعارضته عند العقلاء وإلغاؤه أوجب، إذ لا استعداد فيه للاستفادة ولا يؤمن هواه إن قصد الإفادة" 10 .

    فالعلاقة قائمة و وثيقة - إذن - بين (جودة التصور) للقضايا ..، وفتح المُقفل من المسائل  و(تقوى الله تعالى) و(نور الإيمان) و(اجتناب المعاصي) ..

    فمن استولت عليه النفس الأمارة بالسوء : صار أسيرا في حكم الشهوات ..، محصورا في سجن الهوى والمخالفات والشبهات  .. ، [ قد حرم الله على الفوائد أن تسكن فؤاده .. ، ومنعه حلاوة فهم كلامه وإن أكثر ترداده ! ] ..

     ولإيضاح هذه الصلة بين ضبط المعارف العلمية ..، وأهمية التزكية أكثر  أقول : للمعاصي والذنوب والبعد عن طاعة علام الغيوب من الآثار القبيحة المذمومة المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله، لذلك كانت هي أصل البلاء والشر.

     قال الإمام ابن القيم - رحمه الله -: " فكل نقص وبلاء، وشر في الدنيا والآخرة فسببه الذنوب، ومخالفة أوامر الرب، فليس في العالم شر قط إلا والذنوب موجبتها" 11 .

     ومن ذلك : ( فساد التصور ) و (ضعف الإدراك) الذي ينتج عنه الحكم الباطل، فـ "الحكم على الشيء فرع عن تصوره"12 .

 "فمن كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصدأ متراكبا على قلبه، وصدؤه بحسب غفلته، وإذا صدئ القلب ( لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه )!، فيرى الباطل في صورة الحق والحق في صورة الباطل لأنه لما تراكم عليه الصدأ أظلم، فلم تظهر فيه صورة الحقائق كما هي عليه، فإذا تراكم عليه الصدأ واسود وركبه الرَّان (فسد تصوره وإدراكه)!، فلا يقبل حقا ولا ينكر باطلا، وهذا أعظم عقوبات القلب، وأصل ذلك من الغفلة واتباع الهوى فإنهما يطمسان نور القلب، ويعميان بصره، قال تعالى: { وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً}" 13 .

    وحقيقة ذلك "أن المعاصي تفسد العقل، فإن للعقل نورا، والمعصية تطفئ نور العقل ولا بد، وإذا طفئ نوره ضعف ونقص" 14 .

   ومن الصوارف عن الحق بسبب فساد التصور : [ ضعف عقل الناظر في الحق ! ] ..

    والعقل محله القلب على الصحيح من قولي الفقهاء وهو مذهب الجمهور لقوله تعالى: { فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا }.

    وقال عمر - رضي الله عنه - في حق ابن عباس - رضي الله عنهما -: "ذالكم فتى الكهول، إن له لسانا سؤولا، و (قلبا عقولا )! " رواه الحاكم في مستدركه.

    وترجم الإمام البخاري - رحمه الله - في الأدب المفرد : ( باب العقل في القلب ) ، وأخرج بسند حسن عن علي - رضي الله عنه - أنه قال : " (العقل في القلب)! ، والرحمة في الكبد ، والرأفة في الطحال ، والنفس في الرئة " .

    وقد أجاب العلامة القرآني محمد الأمين الشنقيطي - رحمه الله - من سأله عن موضوع محل العقل ،  بما خلاصته أن محله : ( القلب ) كما في [ التبيان في محل العقل من الإنسان ] وهو ضمن مجموع آثاره - رحمه الله - .

وفي ذلك قال بعضهم:

محله القلب على المشهور **** للوحي وهو مذهب الجمهور
وفي الدماغ قال جل الحكما **** وبقولهم قال بعض العلما

   و منه ف ( فساد العقل ) = [ فساد للقلب والبصيرة ! ] .

     قال الراغب الأصفهاني - رحمه الله -: " فمتى كان الناظر غير تام العقل كان أعمى البصيرة " 15 .

    وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: " كما أن الإنسان يغمض عينيه فلا يرى شيئا وإن لم يكن أعمى، فكذلك القلب بما غشاه من رين الذنوب لا يبصر الحق، وإن لم يكن أعمى كعمى الكافر" 16 .

    ولما كان العقل له تعلق بالدماغ والقلب معا، حيث يكون مبدأ الفكر والنظر في الدماغ، ومبدأ الإرادة والقصد في القلب فالمريد لا يكون مريدا إلا بعد تصور المراد، و " التصور محله الدماغ " 17 .

    فلزم من ذلك أنه إذا فسد القلب والعقل بالمعاصي و الذنوب و البعد عن علام الغيوب = (ضعف الإدراك) و(فسد التصور) ..

    قال الإمام ابن القيم - رحمه الله -: "ومن عقوباتها (أي: المعاصي) أنها تؤثر بخاصة في نقصان العقل، فلا تجد عاقلين أحدهما مطيع لله، والآخر عاص، إلا وعقل المطيع منهما أوفر وأكمل، وفكره أصح ورأيه أسد، والصواب قرينه، ولهذا تجد خطاب القرآن إنما هو مع أولي العقول والألباب كقوله: { وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ }..." 18 .

 
.............................

1 . مجموع الفتاوي 14/ 152.

2 . الجواب الكافي ص: 34.

3 . نفسه ص: 52.

4 . مناقب الشافعي للبيهقي رحمه الله 2/171.

5 . قول العلماء أن العلم نور يقذفه الله في قلب العبد لا يعني ترك التعلم والسعي إلى ذلك، فإن العلم بالتعلم..

     قال الإمام الذهبي - رحمه الله -:" العلم ليس هو بكثرة الرواية ولكنه نور يقذفه الله في القلب، وشرطه الاتباع والفرار من الهوى والابتداع" السير 13/323.

 6 . إعلام الموقعين 6/98 فما بعدها _ تحقيق الشيخ مشهور – حفظه الله -  .

7 . إعلام الموقعين 6/98 فما بعدها _ تحقيق مشهور.

8 . قال الإمام ابن القيم - رحمه الله -:" .. محبة الشيء وطلبه والشوق إليه من لوازم تصوره" مفتاح دار السعادة1/121.

9. يقول العلامة السعدي - رحمه الله -:" وإن حسن الخلق ليدعو إلى صفة الإنصاف، فإن صاحب الخلق الحسن يسلم غالبا من الانتصار لنفسه، والتعصب لقوله، لأن الانتصار للنفس والتعصب يحمل على الاعتساف، وعدم الإنصاف" الفتاوي السعدية ص: 465.

10 . هيئة الناسك في أن القبض في الصلاة هو مذهب الإمام مالك 52_53.

11 . المدارج 1/224.

12 . مجموع الفتاوي 6/ 295.

13 . الوابل الصيب  ص:56.

14 . الجواب الكافي ص: 39.

15 . الذريعة إلى مكارم الشريعة ص: 263.

16 . الإيمان لابن تيمية - رحمه الله - ص: 29.

17 . مجموع الفتاوي 9/ 304.

18 . الجواب الكافي ص: 123



      كتبه [ يومه الخميس 12 محرم 1441 ھ / الموافق ل 12 سبتمبر 2019 م ] :

    أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي الحسني - عامله الله بلطفه الخفي و كرمه الوفي -

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

** إيقاظ وتذكير لطلاب العلم : [ أسباب الشك في بعض كلام العلماء ! ]

** من علم التاريخ زاد عقله ..

مفهوم قوامة الرجل على المرأة (!)