** وقفات مع كلام لأبي المعالي الجويني - رحمه الله -

بسم الله الرحمن الرحيم


    ** وقفات مع كلام لأبي المعالي الجويني - رحمه الله -


    قال الجويني - رحمه الله - :" الدنيا إنما ترعى من حيث يستمد استمرار قواعد الدين منها ، فهي مرعية على سبيل التبعية ، ولولا مسيس الحاجة إليها على هذه القضية ، لكانت الدنيا الدنية حَرية بأن نضرب عنها بالكلية " الغياثية ص : 307 .


    هذا الكلام من أبي المعالي الجويني - رحمه الله - يُعد من عيون التقريرات الشرعية لتضمنه لجملة من المسائل المرعية التي سنبينها من خلال وقفات علمية :


 الوقفة الأولى : إقامة الدين [ قضية غائية = مقصد أصلي ! ]، والأخذ بما لابد منه من الدنيا [ وسيلة = مقصد تبعي ! ].

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - : " ففرق بين من يكون الدين مقصوده والدنيا وسيلة، ومن تكون الدنيا مقصوده والدين وسيلة. والأشبه أن هذا ليس له في الآخرة من خلاق كما دلت عليه نصوص ليس هذا موضعها " الفتاوي 26/20.

الوقفة الثانية : ضرورة الحفاظ على ميزان الأولويات بين [ ما لابد منه من الأمر الدنيوي وهو مهم  = الوسيلة ! ]، و [ الأمر الديني وهو الأهم = الغاية ! ]، ف" الغايات أشرف من الوسائل " مفتاح دار السعادة 1/133.

    و" ترك الترتيب بين الخيرات من جملة الشرور " كما قال أبو حامد الغزالي - رحمه الله - في الإحياء 3/403.

الوقفة الثالثة : لا يُخرج من الدنيا بالكلية، فهذا من تلبيس إبليس لمخالفة ذلك للحنيفية السمحة ..، فالله تعالى لما أشار إلى الدنيا في كتابه قال : { فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه }..

   و يرتع المرء في مستنقع [ الدنيا الدنية ! ] باقتراف ما حرم الله فيها..، وتجاوز الحد فيما أحلّه ..،  واللهث وراء حطامها الفاني ..

    قال ابن الجوزي - رحمه الله - :" قد يسمع العامي ذم الدنيا في القرآن المجيد والأحاديث فيرى أن النجاة تركها ولا يدري ما الدنيا المذمومة فيلبس عليه إبليس : بأنك لا تنجو في الآخرة إلا بترك الدنيا ..، وإنما المذموم أخذ الشيء من غير حله أو تناوله على وجه السرف لا على مقدار الحاجة  : ويصرف النفس فيه بمقتضى رعوناتها لا بإذن الشرع... " تلبيس إبليس ص : 145.

الوقفة الرابعة : إذا كانت مراعاة ما يحتاج إليه من الدنيا هو لاستمرار قواعد الدين، فهذا يدل على [ ضرورة اعتبار شرط الإحسان عند أخذ ما لابد منه  من الأمور الدنيوية ..، والحذر من الفساد و الإفساد ! ] ..

   قال تعالى : { وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين }

   قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله - : " { وأحسن كما أحسن الله إليك } أي : أحسن إلى خلقه كما أحسن هو إليك { ولا تبغ الفساد في الأرض } أي : لا تكن همتك بما أنت فيه أن تفسد في الأرض، وتسيء إلى خلق الله { إن الله لا يحب المفسدين } " 6/254.

الوقفة الخامسة : ما قرره الجويني - رحمه الله - يؤكد صحة قول من قال - في سياق الاستصلاح - : " من القرآن إلى العمران لا العكس "!..

    فلا شك عند من التصقت ثقافته بالوحي، ولازم الكتاب والسنة على طريقة السلف الصالح أن الدين أساس سلامة عمارة الأرض و صلاح المدنية..،  كما قال عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - : " أيها الناس أصلحوا آخرتكم تصلح لكم دنياكم .. " حلية الأولياء 5/266.

    قال الماوردي - رحمه الله - : " الدين أقوى قاعدة في صلاح الدنيا واستقامتها، وأجدى الأمور نفعا في انتظامها وسلامتها، ولذلك لم يُخل الله تعالى خلقه مذ فطرهم عقلاء من تكليف شرعي، و اعتقاد ديني ينقادون لحكمه فلا تختلف بهم الآراء، و يستسلمون لأمره فلا تتصرف بهم الأهواء" أدب الدنيا والدين ص : 121.

الوقفة السادسة : ما قرره الجويني في كلامه - رحمه الله - يَنقض ما اصطلح عليه ب [ التفسير النفعي للإسلام ! ]، وهو تفسير منحرف يتمثل في جعل ( المقصد الأصلي ) من الدين وأحكامه : [ تحقيق المنافع الدنيوية !! ] ..

     قال تعالى : { وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون }

      قال الإمام البغوي - رحمه الله - في تفسير الآية : " { وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب } اللهو هو : الاستمتاع بلذات الدنيا، واللعب : العبث، سميت بهما لأنها فانية. { وإن الدار الآخرة لهي الحيوان} أي : الحياة الدائمة والباقية، و ( الحيوان ) : بمعنى الحياة، أي : فيها الحياة الدائمة { لو كانوا يعلمون} فناء الدنيا وبقاء الآخرة " معالم التنزيل 6/ 255.


الوقفة السابعة : كلام الجويني - رحمه الله - يبين [ بطلان تغليب جانب العدل الدنيوي في الخطاب الإصلاحي والغلو في ذلك ! ] ، فهذا من جنس دعاوى الفلاسفة في خصوص المقصود من النبوة والرسالة كما قال الإمام ابن تيمية - رحمه الله - :" .. ومما يبين فساد قولهم ( أي : الفلاسفة ) أنهم يزعمون أن المقصود بالرسالة إنما هو إقامة عدل الدنيا " الصفدية 2/238.


      كتبه [ يومه الأحد 18 ربيع الآخر 1441 ھ / الموافق ل 15 ديسمبر 2019 م ] :

أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي الحسني - عامله الله بلطفه الخفي وكرمه الوفي -

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

** إيقاظ وتذكير لطلاب العلم : [ أسباب الشك في بعض كلام العلماء ! ]

** من علم التاريخ زاد عقله ..

مفهوم قوامة الرجل على المرأة (!)