// الوسطية في الدعوة إلى الوسطية (!)
بسم الله الرحمن الرحيم
// الوسطية في الدعوة إلى الوسطية (!)
معلوم أن الوسطية من خصائص الأمة المحمدية ..، مصداقا لقوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا }
ولذا؛ فالدعوة إلى الوسطية وما يتبع ذلك من العمل بمقتضاها يجب أن يكون بوسطية، مما يستدعي ضبط أسسها المرعية ليستقيم أمرها - دعوة وعملا - وفق الحقيقة الشرعية ..
وبيان هذه الأسس لا يعني تقرير وسطية على مقاس ما يناسب ميولات الأشخاص، أو يوافق مجرد أنظارهم وآرائهم، أو أنها وسطية جديدة ..، وإنما هي الوسطية التي جاء بها الإسلام، لكن لما كثرت دعاوى الوسطية مع التباين في التصورات والتصرفات (!!) ، قصدت رفع الإشكال ببيان أسس الوسطية التي جاء بها ديننا الحنيف، والكشف عنها وفق ما دلت عليه النصوص الشرعية، وطريقة المتشرعة المرعية، لكي نبتعد عن [ الوسطية التي تحتاج للوسطية ! ] ..
فأقول والله الموفق :
مُقرر ( أن الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السماوات والأرض 1 ) كما قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - في إعلام الموقعين 4/284.
و هذا يعني - بارك الله فيكم - أن الوسطية في الدعوة إلى الوسطية تتأسس شرعا على [ مفهوم العدل ! ] ..
أي : أن هذه الوسطية شرعا توزن في كل قضية ومسألة بميزان العدل وحقيقته ..
مع التنبه أن مفهوم العدل هو : " إعطاء كل مسألة حقها ومستحقها"، أو " إعطاء كل ذي حق حقه ومستحقه ".
ويتم بناء الوسطية في الدعوة إلى الوسطية على مفهوم العدل من خلال أمور ثلاثة متفرعة عنه فتأمل :
أولا : النفي والإثبات ..، أي : عند تحقيق الوسطية في القضايا فهناك - شرعا - بعض الأمور تتعلق بها لابد من إثباتها، وأخرى لابد من نفيها ..
ثانيا : الاقتران ..، والمقصود : أنه عند أي قضية نريد تحصيل الوسطية في خصوصها لابد من النظر إلى ما يقترن بها ويصحبها شرعا ..
ثالثا : المرتبة التشريعية ..، وهذا مهم جدا في موضوع موافقة الوسطية شرعا، لأن لكل قضية في الشرع مرتبتها ومنزلتها، فلابد لشهود الوسطية الشرعية فيها من إنزالها منزلتها وفق مرتبتها في الشريعة دون تجاوز ولا تقصير ..
و إيضاح ذلك كله بمثال وقِس عليه - يا رعاك الله - :
عندنا ( خصلة الرفق ) التي قال فيها النبي - عليه الصلاة والسلام : " إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا يُنزع من شيء إلا شانه" رواه مسلم.
فالوسطية - إذن - في الدعوة إلى الوسطية والعمل بمقتضاها عند ( خصلة الرفق - كمثال - ) بناء على مفهوم العدل تتحقق بالآتي :
أ. [ النفي والإثبات ! ] : فلتحقيق الرفق في الخطاب الدعوي بوسطية لابد - عندها - من إثبات ( الرحمة) بإظهارها، ونفي ( الظلم ) بتجنبه، فلا استقامة لخصلة الرفق - دعوة وعملا - إلا بذلك ..
ب. [ الاقتران ! ] : أي ما يقترن بالأمر المقصود ..، فالرفق في أثناء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثلا لا يستقيم على جادة الوسطية إلا إذا اقترن معه ( العلم بالأمر والنهي ) قبل ذلك، و ( الصبر على الأذى بعد الأمر والنهي ) 2.
ج. [ المرتبة التشريعية 3 ! ] : أي مرتبة الأمر المراد ونسبته وفق سلم أولويات الشريعة ومنازلها ومقاصدها..، فالرفق في الخطاب التربوي مثلا وفق الوسطية الشرعية هو الأصل، والشدة عارضة عند الحاجة المعتبرة ، وفي محلها وبمقدارها المناسب ..، فالرفق في مقام الغذاء، والشدة في مقام الدواء ..
وعليه ؛ ففذلكة موضوع المقالة تتمثل في كون الوسطية في الدعوة إلى الوسطية تتحقق شرعا ببناء كل قضية في هذا المجال على ( العدل ) من خلال مراعاة : ما ينبغي إثباته ونفيه في خصوصها، وما يقترن بها، مع ضبط مرتبتها التشريعية .
......................
1. قال الإمام ابن تيمية - رحمه الله - : " الشرع هو العدل، والعدل من الشرع، ومن حكم بالعدل فقد حكم بالشرع ..، فإن هذا الشرع المنزل كله عدل ليس فيه ظلم ولا جهل " الفتاوي 35/ 366.
2. قال الإمام ابن تيمية - رحمه الله - : " فلابد من هذه الثلاثة : العلم، و الرفق، والصبر. فالعلم قبل الأمر والنهي، و الرفق معه، والصبر بعده " الاستقامة 2/233.
3. يُعد موضوع ( المرتبة التشريعية) عند المتشرعة من المواضيع المهمة غاية، والتي غفل عنها كثير من المنتسبين للعلم والدعوة فضلا عن غيرهم، و تتبدى - عموما - أهميته شرعا في أن تضخيم ما حقه التحجيم، أو تقديم ما حقه التأخير، وعكس ذلك يُعتبر = بدعة منهجية خفية (!!).
كتبه [ يوم السبت 2 جمادى الآخرة 1442 هـ / الموافق لـ 16 يناير 2021 م ] :
أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي الحسني - عامله الله بلطفه الخفي وكرمه الوفي -
تعليقات
إرسال تعليق