** التدين .. والحياة (!)
بسم الله الرحمن الرحيم
** التدين .. والحياة (!)
الحياة الحقيقية الدائمة هي الحياة الأخروية، والتي قال عنها ربنا - تبارك وتعالى - : { وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون }
قال الإمام البغوي - رحمه الله - في تفسير الآية : " { وإن الدار الآخرة لهي الحيوان }، أي : الحياة الدائمة الباقية، والحيوان بمعنى الحياة، أي : فيها الحياة الدائمة، { لو كانوا يعلمون } فناء الدنيا وبقاء الآخرة " معالم التنزيل 3/567.
ولذا؛ فلا حياة طيبة في الدنيا إلا بالتعلق بالآخرة، وفي ذلك يقول ربنا - جل وعلا - عن العبد النادم على ما اقترف من سوء في الدنيا، وعلى ما فرط فيها من خير : { يقول يا ليتني قدمت لحياتي }
وتدبر قوله { لحياتي} ولم يقل { في حياتي } لأن الحياة الحقيقية الباقية هي الآتية ..
قال العلامة السعدي - رحمه الله - في تفسير الآية : " وفي الآية دليل على أن الحياة التي ينبغي السعي في أصلها وكمالها، وفي تتميم لذاتها، هي الحياة في دار القرار، فإنها دار الخلد والبقاء" تيسير الكريم الرحمن ص : 924.
وقال الإمام ابن القيم - رحمه الله - : " و بالجملة فإن العبد إذا أعرض عن الله واشتغل بالمعاصي، ضاعت عليه أيام حياته الحقيقية التي يجد غِبَّ إضاعتها يوم : { يقول يا ليتني قدمت لحياتي } " الداء والدواء ص : 55.
وعليه؛ فالسعادة في الدارين تتأسس على [ التدين الصحيح ! ] ..، وبذلك تتحصل الحياة الطيبة ظاهرا وباطنا ..، فتنصلح للعبد الأوضاع، ويسلم من الضياع، ويتجنب سوء الطباع ..
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - : " من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية " المدارج 1/429.
والدعائم العامة للتدين الصحيح : ( الإيمان ) و ( العمل الصالح ).
قال تعالى : { من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون }
وأساس ( تقوية الإيمان) و ( القيام بالعمل الصالح تقربا للرحمان ) : [ الاستجابة لله ولرسوله - عليه الصلاة والسلام - ! ]..
قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يُحييكم }
قال الإمام البخاري - رحمه الله - في صحيحه 6/61 : " { استجيبوا } : أجيبوا { لما يحييكم } : يُصلحكم ".
فلا سلامة - إذن - من المعيشة الضنك إلا بذكر الله تعالى، أي : طاعته - سبحانه - (1).
قال تعالى : { ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى }
قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله - :" { فإن له معيشة ضنكا } أي : في الدنيا، فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حرَج لضلاله، وإن تنعم ظاهره، ولَبِس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى، فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبة يتردد، فهذا من ضنك المعيشة " تفسير القرآن العظيم 5/ 322 - 323.
ولا يلزم من هذا كله أن لا يأخذ العبد نصيبه من الدنيا، لكنه نصيب يتقيد بعدم المخالفة لشرع الله - تعالى - ، ويجعله العبد مما يُعينه - بعد توفيق الله - على الإحسان في شؤونه ...
قال تعالى : { وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين }
.................
(1). لفظة " الذكر " تُطلق في النصوص الشرعية ويُراد بها : الطاعة ..
كتبه [ يوم السبت 18 جمادى الأولى 1442 هـ / الموافق لـ 2 يناير 2021 م ] :
أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي الحسني - عامله الله بلطفه الخفي وكرمه الوفي -
تعليقات
إرسال تعليق