{ أيحسب الإنسان أن يُترك سدى }
بسم الله الرحمن الرحيم
{ أيحسب الإنسان أن يُترك سدى }
[ حقيقة " الليبرالية " بلغة القرآن هي : السُدّية !! ]
كلمة " الحرية " هي من أكثر الكلمات شيوعا واستعمالا، فصارت بذلك عرضة للتزييف والتجريد، فإن ذيوعها وانتشارها أدى إلى تعدد معانيها بحسب مرجعية مستعمليها ..، فـ " اللفظ إذا شاع تشعبت معانيه بحسب معقول مستعمليه "! ..
ولذا؛ أصبحت كلمة " الحرية " عند كثير من الناس تعني كل شيء ولا شيء في الوقت نفسه (!!) ..، وهذا هو مفهوم ( الحرية المطلقة )، أي : التخلص من كل قيد والقدرة على الفعل مطلقا (!!!) ..، فنتج بسببه المآسي والبلايا، والمخالفات والرزايا حتى اشتهر في العالَم قول ( مدام رولان ) : " أيتها الحرية (!) كم من الجرائم قد ارتكبت باسمك ؟ " أركان حقوق الإنسان للمحمصاني ص : 73.
وصدق الشيخ الرحالي الفاروق المغربي - رحمه الله - لما قال : " ومن مشاكل الاجتماع، نظام الحرية المطلق، الذي أصبح يتهجم على الدين ومقدساته، و يستهزئ بالسلف الصالح ومعطياته، ويشتم من يحرص على أوامر الله وشريعته، ويحاول بكل وسيلة التلبيس والتضليل، و إفساد العقول، وصرفها عن شريعة الحق، وجادة الطريق .." مقالات ومحاضرات الشيخ الرحالي الفاروق 156/2.
وهذه الحرية - سلمنا الله وإياكم من كل سوء - هي أساس" الليبرالية "، حيث التحرر والانفتاح المطلق وفق فلسفتها يُعد المبدأ والمنتهى، الباعث والهدف، الأصل والنتيجة في حياة الإنسان (!!) ..
وتسمى حقيقة " الليبرالية " في لغة القرآن العظيم بـ ( السُدّية )، مصداقا لقوله تعالى : { أيحسب الإنسان أن يُترك سُدى }.
قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله - عند تفسيره للآية : " وقوله : { أيحسب الإنسان أن يترك سدى } قال السدي : يعني : لا يُبعث.
وقال مجاهد، و الشافعي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم : يعني لا يُؤمر ولا يُنهى.
والظاهر أن الآية تعم الحالين، أي : ليس يُترك في هذه الدنيا مهملا لا يُؤمر ولا يُنهى، ولا يُترك في قبره سُدى لا يُبعث، بل هو مأمور مَنهي في الدنيا، محشور إلى الله في الدار الآخرة " تفسير القرآن العظيم 283/8.
وليعلم - وبيقين (!) - أن الإسلام قد كفل لنا الحرية الحقيقية والحقة لأنه قيّدها :
- بالفضيلة حتى لا ننحرف ..
- و بالعدل حتى لا نظلم ..
- و بالحق حتى لا نتبع الباطل ..
- وبالخير والإيثار حتى لا تستبد بنا الأنانية ..
- وبالبُعد عن الضرر حتى لا تتمكن في نفوسنا الشرور ..
قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - : " فالحر من تخلص من رق الماء والطين، وفاز بعبودية رب العالمين، فاجتمعت له العبودية والحرية، فعبوديته من كمال حريته، وحريته من كمال عبوديته " المدارج 29/2.
ومن ثَم؛ فمن أراد الحرية له ولغيره من غير أن يتخذ الشرع طريقا للرشد والرعاية، فهو يمشي في ظلام وعماية، ونهاية أمره التخبط وتنكب طريق الهداية، مع التنبه أنه " من هدي القرآن للتي هي أقوم : هديه إلى أن التقدم لا ينافي التمسك بالدين ...، [ فـ ] القرآن الكريم يدعو إلى التقدم في جميع الميادين التي لها أهمية في دنيا أو دين، ولكن ذلك التقدم في حدود الدين، والتحلي بآدابه الكريمة، وتعاليمه السماوية " أضواء البيان للعلامة الشنقيطي - رحمه الله - 37/3.
فلا مندوحة - إذن - لأحد يدعو إلى الحرية عن الرجوع إلى الشرع والركون إليه، و الانطلاق منه، فالشرع المنزل كفل الحرية للجميع وحدانا وزرافات في مختلف المجالات ..
قال الشيخ عبد الله كنون - رحمه الله - : " لئن كانت هذه الآية الكريمة { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } التي نزلت على النبي - عليه الصلاة والسلام - وهو بعرفات في حجة الوداع، تدل بمنطوقها على أن الدين قد كمل، وأن أحكامه قد استوفيت، فهي بمنطوقها ومفهومها معا تدل على أن هذا الدين تام وأنه كفيل بمصلحة العباد بحيث ارتضاه الله لهم طريقة للعمل ومنهاجا للحياة " على درب الإسلام ص : 25.
وعليه؛ يُعتبر دين الإسلام الحنيف - دين الوسطية والاعتدال - أقوى الأسس " في صلاح الدنيا واستقامتها، وأجدى الأمور نفعا في انتظامها وسلامتها، ولذلك لم يُخل الله تعالى خلقه مذ فطرهم عقلاء من تكليف شرعي، و اعتقاد ديني ينقادون لحكمه فلا تختلف بهم الآراء، ويستسلمون لأمره فلا تتصرف بهم الأهواء " أدب الدنيا والدين للعلامة الماوردي - رحمه الله - ص : 161.
فالإصلاح الحقيقي يشمل كل ما له تعلق بأمر الدين، و يستوعب جميع شؤون الدنيا، مع الالتفات إلى كون الإصلاح الدنيوي وسيلة، والديني هو الغاية (!)، بخلاف ما عليه غلاة المدنية .. فتأمل.
ولأجل هذا التقرير الشرعي نجد الإمام ابن تيمية - رحمه الله - لما تكلم عن ( وظيفة الدولة ) كما جاء في شريعة الإسلام قدم تلخيصا هاما يكشف " وسيلية المدنية " وارتباطها بـ " الغاية الدينية " حيث قال : " فالمقصود الواجب بالولايات :
أ. إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسرانا مبينا، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا.
ب. إصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم " السياسة الشرعية ص : 37.
فالله الله في تأسيس الاستصلاح في سائر المجالات على ( مركزية الآخرة )، و ( وسيلية الدنيا ) ..
قال عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - :" أيها الناس أصلحوا آخرتكم تصلح لكم دنياكم، وأصلحوا سرائركم تصلح لكم علانيتكم " حلية الأولياء 266/5.
أصلحنا الله جميعا ..
والله المستعان ..
كتبه [ يوم الخميس 8 صفر 1443 هـ / الموافق لـ 16 سبتمبر 2021 م ] :
أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي الحسني - عامله الله بلطفه الخفي وكرمه الوفي -
تعليقات
إرسال تعليق