الاعتزاز بدين الإسلام ..
بسم الله الرحمن الرحيم
** الاعتزاز بدين الإسلام ..
[ شريعة الإسلام كاملة مُكمَّلة، ولا صلاح ولا استصلاح إلا بها ! ]
المتأمل في الكتاب والسنة، والبصير في أصول وقواعد الشريعة أصالة، والعارف بأحوال المسلمين وواقعهم قديما وحديثا تبعا ، [ يدرك أنه ليس هناك مرض بالأمة حل جديدا ليس له في الكتاب والسنة علاج سديد ! ]
وكيف يمكن للكيس من الأنام أن يتصور أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علمنا أحكام التخلي، وآداب الشراب والطعام، وترك لعقولنا المحدودة حل المشاكل ومعالجة أمراض المجتمعات ، بل كيفية التعامل مع الأمور العظام ..
فإذا كان تأخير البيان عن وقت الحاجة (!) لا يجوز في مثل هذه الأمور، فهل يجوز - في الأصل - تأخيره في معالجة أمراض الأمة والمجتمعات (؟!).
قال الفقيه السلماسي - رحمه الله - :" اعلم أن الله عز وجل أنزل كتابه على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - تبيانا لكل شيء.... ثم أمره أن يبين لهم ما فيه مما يحتاجون إليه، وتجب معرفته عليهم فقال تعالى: { َأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } .....ثم إنه - صلى الله عليه وسلم - بين لأمته ما يحتاجون إليه من أمر دينهم ودنياهم، وبين لهم ما فيه صلاح أولاهم وأخراهم.......وقال سلمان - رضي الله عنه - : علمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كل شيء حتى الخراءة.
فثبت أنه بين جميع الواجبات إذ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.." منازل الأئمة الأربعة ص :491.
ولما ذكر رسول الله - عليه الصلاة والسلام - داء الاختلاف بقوله : ".....فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا "، عقّب ذلك بذكر الدواء فقال :"...فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ " صحيح الجامع 2549.
بل لقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر فتنا تكون في آخر الزمان بعد مئات السنين، وكان يضع حلولا لها ...، وكثيرا ما كان أصحابه - رضي الله عنهم - إذا سمعوا منه ذلك قالوا : " فما تأمرنا ...." كما في حديث حذيفة - رضي الله عنه - المشهور.
وقال أبو ذر - رضي الله عنه -:" تركنا رسول الله وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما" الصحيحة 1803، وما ذاك إلا لشمول الشرع وعمومه، وهذا [ دليل على كمال ديننا الحنيف وحلِّه كل المشاكل ! ]
قال العلامة البيضاوي - رحمه الله - في تفسير قوله تعالى: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } :" .. بالتنصيص على قواعد العقائد والتوقيف على أصول الشرائع وقوانين الاجتهاد ..." تفسير البيضاوي 1/292.
وقال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - في معنى قوله تعالى: { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ } : " قد بين لنا في هذا القرآن كل علم وكل شيء"، وقال مجاهد - رحمه الله - :" كل حلال وكل حرام".
قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله - :" وقول ابن مسعود أعم وأشمل فإن القرآن اشتمل على كل علم نافع من خبر ما سبق وعلم ما سيأتي، وكل حلال وحرام، وما الناس إليه محتاجون في أمر دنياهم ودينهم ومعاشهم ومعادهم " تفسير القرآن العظيم 2/603.
ورحم الله الإمام البخاري إذ يقول :" لا أعلم شيئا يُحتاج إليه إلا وهو في الكتاب والسنة، فقيل له: هل يمكن معرفة ذلك؟ قال: نعم " سير أعلام النبلاء 12/412.
ومن الكلام النفيس للإمام ابن القيم - رحمه الله - في معرض حديثه عن السياسة الشرعية قوله : " فهذا الفصل هو فرق ما بين ورثه الأنبياء وغيرهم وأصله مبني على حرف واحد وهو عموم رسالته بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه العباد في معارفهم وعلومهم وأعمالهم التي بها صلاحهم في معاشهم ومعادهم وأنه لا حاجة إلى أحد سواه البتة وإنما حاجتنا إلى من يبلغنا عنه ما جاء به فمن لم يستقر هذا في قلبه لم يرسخ قدمه في الإيمان بالرسول بل يجب الإيمان بعموم رسالته في ذلك كما يجب الإيمان بعموم رسالته بالنسبة إلى المكلفين فكما لا يخرج أحد من الناس عن رسالته ألبتة فكذلك لا يخرج حق من العلم به والعمل عما جاء به ، فما جاء به هو الكافي الذي لا حاجة بالأمة إلى سواه وإنما يحتاج إلى غيره من قل نصيبه من معرفته وفهمه فبحسب قلة نصيبه من ذلك تكون حاجته ، وإلا فقد توفي رسول الله وما من طائر يقلب جناحيه في السماء إلا وقد ذكر للأمة منه علما ، وعلمهم كل شيء حتى آداب التخلي وآداب الجماع والنوم والقعود والأكل والشرب والركوب والنزول ، ووصف لهم العرش والكرسي والملائكة والجنة والنار ويوم القيامة وما فيه حتى كأنه رأي عين، وعرفهم بربهم ومعبودهم أتم تعريف حتى كأنهم يرونه بما وصفه لهم به من صفات كماله ونعوت جلاله، وعرفهم الأنبياء وأممهم وما جرى لهم معهم حتى كأنهم كانوا بينهم، وعرفهم من طرق الخير والشر دقيقها وجليلها ما لم يعرفه نبي لأمته قبله ، وعرفهم من أحوال الموت وما يكون بعده في البرزخ وما يحصل فيه من النعيم والعذاب للروح والبدن ما جلى لهم ذلك حتى كأنهم يعاينوه ،
وكذلك عرفهم من أدلة التوحيد والنبوة والمعاد والرد على جميع طوائف أهل الكفر والضلال ما ليس لمن عرفه إلى كلام أحد من الناس البتة ، وكذلك عرفهم من مكايد الحروب ولقاء العدو وطرق الظفر به ما لو علموه وفعلوه لم يقم لهم عدو أبدا وكذلك عرفهم من مكائد إبليس طرقه التي يأتيهم منها ويحترزون به من كيده ومكره وما يدفعون به شره مالا مزيد عليه ، وبذلك أرشدهم في معاشهم إلى ما لو فعلوه لاستقامت لهم دنياهم أعظم استقامة ، و بالجملة فقد جاءهم رسول الله بخير الدنيا والآخرة بحذافيره ولم يجعل الله بهم حاجة إلى أحد سواه ولهذا ختم الله به ديوان النبوة فلم يجعل بعده رسولا لاستغناء الأمة به عمن سواه فكيف يظن أن شريعته الكاملة المُكمَّلة محتاجة إلى سياسة خارجة عنها أو إلى حقيقة خارجة عنها أو إلى قياس خارج عنها أو إلى معقول خارج عنها ، فمن ظن ذلك فهو كمن ظن أن بالناس حاجة إلى رسول آخر بعده وسبب هذا كله خفاء ما جاء به على من ظن ذلك.
قال تعالى: { أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون } ... "بدائع الفوائد 3/155.
وإذا كان رسول الله - عليه الصلاة والسلام - نفسه كثيرا ما يتوقف إذا ما سئل عن مسألة حتى يأتيه الوحي للكفاية فيه والحاجة إليه، كما في حديث يعلى بن أمية أن رجلا جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - متضمخا بطيب، فقال: يا رسول الله كيف ترى في رجل .....فنظر إليه ساعة، فجاءه الوحي ثم ..." متفق عليه.
فكيف هو الحال معنا ؟!!
ومن تأمل الكتاب والسنة النبوية وجد فيهما كل شيء ..
وجد فيهما التنبيه إلى الأمراض التي سبقت في الأمم قبلنا، والتي ستكون فينا إذا ما توافرت أسبابها، نحو قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - :" إن من كان قبلكم..."، " إنما أهلك الذين من قبلكم...."، "إذا تبايعتم بالعينة....".
ويجد المرء بالمقابل وصف علاجها ودوائها وحلولها مثل قوله عليه الصلاة والسلام: " حتى ترجعوا إلى دينكم ..."، " أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك "، .... وهكذا دواليك.
قال العلامة ابن سريج - رحمه الله - :" ليس شيء إلا ولله عزوجل فيه حكم، لأنه تعالى يقول : { إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً} ، { وكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً} ، وليس في الدنيا شيء يخلو من إطلاق أوحظر أو إيجاب، لأن جميع ما على الأرض من مطعم أو مشرب أو ملبس أو منكح، أوحكم بين متشاجرين أو غيره لا يخلو من حكم، ويستحيل في العقول غير ذلك، وهذا مما لا خلاف فيه أعلمه" انظر البحر المحيط للزركشي - رحمه الله - 1/129.
قال تعالى: { وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }
فالله الله في الاعتزاز بدين الإسلام ..
والحمد لله رب العالمين ..
كتبه [ يوم السبت 10 صفر 1443 هـ / الموافق لـ 18 سبتمبر 2021 م ] :
أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي الحسني - عامله الله بلطفه الخفي وكرمه الوفي -
تعليقات
إرسال تعليق