أمانة المسؤولية .. [ أهلية الأداء ! ]
بسم الله الرحمن الرحيم
** أمانة المسؤولية ..
[ أهلية الأداء ! ]
من أهم ما ينبغي استشعاره : ( أمانة المسؤولية ) التي تتوافق في معناها مع ما اصطلح عليه عند الفقهاء بـ " أهلية الأداء "! ..، فبضياعها أو التفريط فيها = تضيع القيم النبيلة، وتختل الموازين، وتُهضم الحقوق ..
قال تعالى : { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد }
فما أحوج كل واحد منا إلى أن يضع هذه الآية نصب عينيه، ويسأل نفسه : هل عزم على أداء أمانة المسؤولية ؟ و ماذا قدم؟ و ماذا فعل؟ ..
قال عليه الصلاة والسلام : " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته "
هذا المقطع - يا رعاكم الله - من حديث في الصحيحين وهو يدل على جملة من التقريرات الشرعية تخص ( موضوع المسؤولية ) وهي :
أولا : ( كلكم راع )، " كل" نص في العموم كما هو مقرر عند أرباب الأصول، وهذا يدل على إناطة المسؤولية بكل فرد مكلف حسب منزلته ومنصبه وحاله - مع تفاوت مقامات المسؤولية ! - وليست محصورة بشخص أو في جهة ..، لأن [ المسؤولية تدخل في كل علاقة وجانب من جوانب حياتنا ! ] ..
قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - : " قوله ( كلكم راع ) يعم جميع الناس فيدخل فيه المرعي أيضا، فالجواب أنه مرعي باعتبار، راع باعتبار، حتى ولو لم يكن له أحد كان راعيا لجوارحه وحواسه؛ لأنه يجب أن يقوم بحق الله وحق عباده" الفتح 381/2.
ثانيا : لفظة ( المسؤولية) تحمل معنى المساءلة؛ أي : كل ما ينبغي أن يُسأل عنه المرء فهو مسؤوليته التي تخصه ..
وهذا يستدعي من كل مسؤول - كانت مسؤوليته تخص الولايات، أو إدارية، أو دعوية، أو علمية، أو دينية، أو تعليمية تربوية، أو أسرية .. وهكذا دواليك - أن يشهد ( مشهد المحاسبة ) يوم القيامة، فالله سيسأل كل واحد منا عما هو تحت وصايته و مسؤوليته ..
قال تعالى : { ولتسألن عما كنتم تعملون }
قال العلامة السعدي - رحمه الله - في تفسير الآية : " { ولتسألن عما كنتم تعملون } من خير وشر فيجازيكم عليها أتم الجزاء وأعدله " تيسير الكريم الرحمن ص : 448.
ثالثا : المسؤولية - بناء على دلالة اللفظ كما سبق - تفيد معنى المساءلة، أي : تدل على مدى رعاية كل فرد لما ( اؤتمن عليه ) ، فالمسؤولية تقتضي حفظ الأمانة - على اختلاف أنواعها ودرجاتها المادية والمعنوية ! - التي تتعلق بالمسؤول عنها ..
قال تعالى : { والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون }
قال العلامة جمال الدين القاسمي - رحمه الله - في تفسير الآية : " { والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون } أي : قائمون عليها بحفظها وإصلاحها.
و الآية تحتمل العموم في كل ما اؤتمنوا عليه وعوهدوا " محاسن التأويل 283/7.
وما حمِّل الإنسان مثل أمانة *** أشقَّ عليه حين يحملها حملا
فإن أنت حُملت الأمانة فاصطبر *** عليها فقد حُمِّلت من أمرها ثِقْلا
رابعا : ( كلكم راع ) : الرعي : الحفظ، والراعي : الحافظ، و الرعاية : المحافظة على الشيء وحمايته.
والحرص على " الرعي" يجب أن يسبقه " الوعي"؛ أي : الوعي بحقيقة معنى المسؤولية من خلال حيثياتها، وكذا " الوعي" بحسن تطبيقها عمليا من عموم جوانبها ..، وكل شخص بحسب مسؤوليته (!).
وإذا تخلف شرط ( الوعي ) أدى بالمرء إلى الوقوع في ( البغي ) ..، أصلحنا الله جميعا ..
أُثر عن الصحابي الجليل عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال : " لو بغى جبل على جبل لجعل الله عز وجل الباغي منهما دكّا " ذم البغي لابن أبي الدنيا ص : 54.
و ( الرعاية للشيء ) تتم في مرحلته الأولى : بإيجاده وتحقيقه، وفي مرحلته الثانية : بتقويته وتماسكه، وفي مرحلته الثالثة : بثباته واستقراره.
وكل ذلك وفق مدلولات الرعاية وهي : الإخلاص - التعاهد - المراقبة - الإتقان - الاعتناء - الصيانة - المتابعة - التقويم - المعالجة - الإحسان - الاستمرار في الرعي .
خامسا : الملاحظ في قوله - عليه الصلاة والسلام - : " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته " أنه - صلوات الله وسلامه عليه - لم يقل : ( كلكم راعون )، ( كلكم مسؤولون )، و يُستفاد من ذلك : تحديد المسؤولية على كل فرد مكلف على حدة أصالة وفق مسؤوليته ..، وهذا يستوجب ضرورة قيام المسؤولية على صلاح نفس كل فرد مصداقا لقوله تعالى : { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم }
قال العلامة ابن باديس - رحمه الله - : " فصلاح النفس هو صلاح الفرد ، وصلاح الفرد هو صلاح المجموع ، والعناية الشرعية متوجهة كلها إلى إصلاح النفوس ، إما مباشرة وإما بواسطة ، فما من شيء مما شرعه الله تعالى لعباده من الحق والخير والعدل والإحسان إلا وهو راجع عليها بالصلاح ، وما من شيء نهى الله تعالى عنه من الباطل والشر والظلم والسوء إلا وهو عائد عليها بالفساد ، فتكميل النفس الإنسانية هو أعظم المقصود من إنزال الكتب وإرسال الرسل ، وشرع الشرائع " آثار ابن باديس 1/ 232 - 233 .
سادسا : قوله عليه الصلاة والسلام : " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته " جُملةٌ إسمية ..
و معلوم عند أرباب اللسان دلالتها على التأكيد والثبوت، وهذا يفيدنا زيادة تقرير أهمية ما انطوت عليه هذا الجملة التي نحن بصددها من معاني - سبق بيانها - تخص أمانة المسؤولية، وعظم شأنها ..، مما يلزم معه : شدة الحرص عليها ..، والحذر غاية من التفريط فيها ..
قال تعالى : { وقفوهم إنهم مسؤولون }
قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله - عند تفسير الآية : " { وقفوهم إنهم مسؤولون } أي : قفوهم حتى يُسألوا عن أعمالهم وأقوالهم التي صدرت عنهم في الدار الدنيا .." تفسير القرآن العظيم 9/7.
كتبه [ يوم الأحد 3 ربيع الأول 1443 هـ / الموافق لـ 10 أكتوبر 2021 م ] :
أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي الحسني - عامله الله بلطفه الخفي وكرمه الوفي -
تعليقات
إرسال تعليق