** مفهوم : " إن الدين يُسر "! ..

 بسم الله الرحمن الرحيم



  ** مفهوم : " إن الدين يُسر "! .. 



    اليُسر مقصد من مقاصد هذا الدين وصفة عامة للشريعة في عقائدها وأحكامها وأخلاقها ومعاملاتها وأصولها وفروعها.


     فالدين الإسلامي قائم على دعامة اليُسر كما قال تعالى: { يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } ..


    قال العلامة السعدي - رحمه الله - في تفسيره للآية : " أي: يريد الله تعالى أن ييسر عليكم الطرق الموصلة إلى رضوانه أعظم تيسير ، ويسهلها أبلغ تسهيل، ولهذا كان جميع ما أمر الله به عباده في غاية السهولة في أصله.

  وإذا حصلت بعض العوارض الموجبة لثقله سهله تسهيلا آخر إما بإسقاطه أو تخفيفه بأنواع التخفيفات " تيسير الكريم الرحمن 1/128-129.


     وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الدين يُسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ..." البخاري.


   قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله -: " أي دين الإسلام ذو يسر أو سُمِّيَ الدين يسرا مبالغة بالنسبة للأديان قبله لأن الله رفع عن هذه الأمة الإصر الذي كان على من قبلهم، ومن أوضح الأمثلة له أن توبتهم كانت بقتل أنفسهم وتوبة هذه الأمة بالإقلاع والعزم " الفتح1/116.


   واليسر في اللغة كما في لسان العرب : " اللين والانقياد، والميسرة : السعة والغنى، وتيسر الشيء واستيسر : تسهل، واليسر: ضد العسر" 5/295.


    قال العلامة القاسمي - رحمه الله - عن اليسر : "عمل لا يجهد النفس ولا يثقل الجسم" محاسن التأويل 3/427.


    وشرعا هو: " تطبيق الأحكام الشرعية بصورة معتدلة أي كما جاءت في كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - من غير تشدد يحرم الحلال ، ولا تضييع يحلل الحرام ".


    و كون الشريعة قد راعت جانب اليُسر في تكاليفها لا يعني بحال أن يُسوغ المرء لنفسه فعل ما يخالف الشرع أو أن يختار ما شاء من الأقوال بالتشهي ، أو أن يضع الرخص التي تتفق مع هواه، فلو كان الأمر كذلك لانهدمت أركان الدين ، ولانمحت رسومه ، ولعظم اختلاف العباد واضطرابهم ، و [ هذا من أعظم التعسير ! ] .


     إن القول بأن ( الدين يُسر ) كلمة حق أراد بها الكثير من الناس الباطل .. 


    نعم؛ الدين يُسر لكن بلا تفريط وتساهل ..،  لأن التوسعة إلى الشرع لا إلى أهواء الناس ورغباتهم وما ألفوه ودرجوا عليه .. 


     والدين يُسر ولكن في اتباع ما أُمرنا به وباتباع ما يسَّره الله لنا ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ورخصاه لنا حين الحاجة إليه.


     قال الإمام ابن حزم - رحمه الله - في معرض رده على من يترخص في الدين متبعا هواه : " فمن احتج بقول الله عز وجل : { يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } فقد علمنا أن كل ما ألزم الله تعالى فهو يُسر بقوله تعالى { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } " الإحكام 869.


      ثم إن الآية تُبين مفهوم اليُسر الرباني وهو أنه من عند الله وحده لا شريك له وأنه تشريع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بوحي من الله سبحانه.


    ولو ادعى مدع أن ما قُرر يُخالف قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح "إن الله يحب أن تؤتى رخصه ..." .


     فيقال جوابا : لقد أوتيت من عدم علمك بحقيقة الرخصة في الحديث لأن المقصود بها ما كان من عند الله ورَخصه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ودلت عليه القواعد الشرعية، والضوابط المرعية، فيكون الأمر بذلك مما شرعه الله وأذن فيه ..، ويبين هذا نهاية الحديث حيث قال عليه الصلاة والسلام "إن الله يحب أن تؤتى رخصه ( كما يكره أن تؤتى معصيته)! " ..، فتنبه. 


      ولا يتعارض هذا مع نهي العلماء عن تتبع الرخص لأن المقصود بها - في هذا السياق - : ( أهون) أقوال الفقهاء في مسائل الخلاف فتنبه [ = أي : زلات العلماء والأقوال الضعيفة والشاذة ! ] ..


     قال الإمام ابن القيم - رحمه الله -: " الرخصة نوعان: أحدهما الرخصة المستقرة المعلومة من الشرع نصا كأكل الميتة والدم ... عند الضرورة وإن قيل لها عزيمة باعتبار الأمر والوجوب فهي رخصة باعتبار الإذن والتوسعة، وكفطر المريض والمسافر وقصر الصلاة في السفر... ففعل هذه الرخص أرجح وأفضل من تركها.


     النوع الثاني: رخص التأويلات واختلاف المذاهب (1) فهذه تتبعها حرام...، فإن من ترخص بقول أهل مكة في الصرف ، وأهل العراق في الأشربة ، وأهل المدينة في الأطعمة ، وأصحاب الحيل في المعاملات... ، وأمثال ذلك من رخص المذاهب وأقوال العلماء فهذا الذي تنقص بترخصه رغبته ويوهن طلبه ويلقيه في غثاثة الرخص فهذا لون والأول لون " المدارج 2/60-61.


.......................


( 1). أي : أهون الأقوال .. 




     كتبه [ يوم الاثنين 18 جمادى الآخرة 1442 هـ / الموافق لـ 1 فبراير 2021 م ] :


    أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي الحسني  - عامله الله بلطفه الخفي وكرمه الوفي -

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

** إيقاظ وتذكير لطلاب العلم : [ أسباب الشك في بعض كلام العلماء ! ]

** من علم التاريخ زاد عقله ..

مفهوم قوامة الرجل على المرأة (!)