** هدايات من قوله تعالى : { ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا }

 بسم الله الرحمن الرحيم



   ** هدايات من قوله تعالى : { ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا }


  

    تضمنت هذه الآية من سورة الإسراء جملة من الهدايات التي يجب اعتبارها ومراعاتها للحذر من فاحشة الزنا والبُعد عنها والتوبة منها لمن يقترفها :


أولا : تُقرر هذه الآية - من خلال النهي عن الاقتراب من الزنا - حفظ ضروري من الضروريات الخمس ألا وهو [ العرض ! ] ..


    قال الشيخ محمد المكي الناصري - رحمه الله - عند هذه الآية : " وقال تعالى داعيا إلى ( حفظ العرض )، وصيانة النسب : { ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا }" التيسير في أحاديث التفسير 3/ 390. 


    ولكون النهي عن الاقتراب من الزنا يتعلق بحفظ ضروري فقد اتفقت الملل على تحريمه (1)، وشددت شريعة الإسلام الغراء في إثبات وقوعه من الناس، كما شددت في المعاقبة عليه بعد ثبوته وفق الضوابط والشروط المبسوطة في كتب الفقه ..


ثانيا : الله تعالى لم يقل : ( ولا تزنوا )، وإنما قال : { ولا تقربوا الزنى }، وهذا أبلغ ..، لأنه يدل على النهي عن كل ما يؤدي إلى الوقوع في هذه الفاحشة [ سدا للذريعة، لأجل حفظ الفروج ! ]   فإن أي وسيلة أدت إلى اقتراف الحرام، كان هذا المُتوسل إليه أيضا من المحرمات استنادا إلى ( فحوى الخطاب = مفهوم الموافقة ) كما هو مُقرر عند علماء أصول الفقه ..


    قال العلامة السعدي - رحمه الله - عند تفسير الآية : " والنهي عن قربانه أبلغ من النهي عن مجرد فعله، لأن ذلك يشمل النهي عن جميع مقدماته ودواعيه " تيسير الكريم الرحمن ص : 457.


ثالثا : ( الزنا) اسم عبَّرت به الشريعة الغراء على هذه العلاقة المحرمة المعلومة ..، و " يسمى الزنا فاحشة " انظر لسان العرب 6/325، و تاج العروس 17/ 296.


    ولذا استحقت ( الزنا ) الوصف بـ [ القاذورة ! ] ..


    قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح : " اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله تعالى عنها فمن ألَمَّ بشيء منها فليستتر بستر الله وليتب إلى الله .." صحيح الجامع رقم : 149. 


    قال العلامة المناوي - رحمه الله - في شرح الحديث : " ( اجتنبوا هذه القاذورات) جمع قاذورة، وهي كل قول أو فعل يستفحش أو يستقبح، لكن المراد هنا : الفاحشة، يعني : الزنا " فيض القدير 1/155. 


    وعليه؛ يجب الحذر من تسمية الشرور بغير أسمائها التي تحمل على التهوين من فسادها، وتزيين قُبحها في النفوس، وتؤدي إلى تبلد الإحساس تجاهها حتى لا نستقبحها وننفر منها ..، كتسمية ( الزنا ) بـ" العلاقة الرضائية "!!، أو" الحرية الجنسية "!!، أو " المساكنة "!! ..، ونحو ذلك .. 


    وهذا من [ حرب المصطلحات ! ] فتنبهوا ..، لأن " الألفاظ قوالب المعاني"، ولكل لفظ ظله وحمولته .. 


    ويُعجبني عند هذا الحرف من الكلام ما قاله الدكتور طه عبد الرحمن في كتابه ( الحق العربي في الاختلاف الفلسفي ) ص : 79 : " فإن قوة الاصطلاح غدت لا تقل عن قوة السلاح، وإلا فهي تزيد عليها متى اعتبرنا الاكتساح الذي حققه الإعلام " اهـ.


رابعا : معنى وصف " الزنا " بأنه : { كان فاحشة وساء سبيلا } ؟؟ 


    قال العلامة السعدي - رحمه الله - : " و وصف الله الزنا وقبحه بأنه { فاحشة } أي : إنما يستفحش في الشرع والعقل والفطر لتضمنه التجري على الحرمة في حق الله وحق المرأة وحق أهلها أو زوجها، و إفساد الفراش واختلاط الأنساب وغير ذلك من المفاسد.

     وقوله : { وساء سبيلا } أي : بئس السبيل سبيل من تجرأ على هذا الذنب العظيم  " تيسير الكريم الرحمن ص : 457.


     ومما يؤكد شدة فُحش ( الزنا ) غاية وسوء سبيله : أن الشريعة الغراء لم تتدرج في تحريمه كما حصل في تحريم الخمر، وإنما التدرج كان في عقوبته الشرعية ..، فتنبه (!).


خامسا : وصف" الزنا " في الآية بأنه { كان فاحشة وساء سبيلا } لأجل التنفير منه شديدا .. 


    قال الفقيه محمد بن أحمد الخطيب الشافعي - رحمه الله - : " { ولا تقربوا الزنى } أدنى قرب ولو بفعل شيء من مقدماته ...، ثم علل تعالى النهي عن ذلك بقوله تعالى مؤكدا إبلاغا في التنفير عنه لما للنفس من شدة الداعية إليه { إنه كان فاحشة وساء سبيلا } .." السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير 2/301.


   ولأن ( الزنا ) من المخالفات الشرعية العظيمة و الفاحشة القبيحة غاية عُدَّ من كبائر الذنوب، وقد أدرجه في ذلك كل من صنَّف في الكبائر  ..، بل" أجمعت الأمة أن الزنا من الكبائر " شرح صحيح الإمام البخاري - رحمه الله - للعلامة ابن بطال المالكي - رحمه الله - 8/429.


سادسا : الآية التي نحن بصددها من جملة آيات قرآنية تُرشد إلى التحلي بـ [ خُلُق الاستعفاف ! ] الذي هو طلب العفة بضبط النفس وإلجامها عمّا نهى الله عنه من الشهوات والملذات المحرمة ..


    قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي - رحمه الله - عند قوله تعالى : { وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله } : " هذا الاستعفاف المأمور به في هذه الآية الكريمة، هو المذكور في قوله : { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون }، وقوله تعالى : { ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا }، ونحو ذلك من الآيات " أضواء البيان 5/532.


..............


(1). قال الإمام الشاطبي المالكي - رحمه الله - : " اتفقت الأمة - بل سائر الملل - على أن الشريعة وُضعت للمحافظة على هذه الضروريات الخمس .. " الموافقات 1/31.



      كتبه : [ يوم الثلاثاء 26 جمادى الآخرة 1442 هـ / الموافق لـ 9 فبراير 2021 م ] :


     أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي الحسني - عامله الله بلطفه الخفي وكرمه الوفي -

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

** إيقاظ وتذكير لطلاب العلم : [ أسباب الشك في بعض كلام العلماء ! ]

** من علم التاريخ زاد عقله ..

مفهوم قوامة الرجل على المرأة (!)