نسبية الحقيقة !

 بسم الله الرحمن الرحيم



   ▪️[ نسبية الحقيقة ! ] .. 



   من الأصول الفاسدة العامة التي تتأسس عليها الأفكار الهدامة، ويؤخذ بها قصد الانسلاخ عن الحقائق الشرعية، و لأجل تسويغ اختيار أي قول بناء على التشهي والظروف : [ نسبية الحقيقة ! ]، أو بمعنى آخر : دعوى أنه ( لا أحد يمتلك الحقيقة ! ) ..


   ولذا فماهية ( نسبية الحقيقة ) عند أربابها : " الرأي الذي يقول بأن الحق نسبي، ويختلف من فرد إلى آخر،. ومن جماعة إلى أخرى، ومن وقت إلى آخر ".


    وهذه ( النسبية ) - يا رعاكم الله - فكرة سوفسطائية تخلط بين الحق والضلال، والصواب والباطل ..، وتبنيها معارضة للوحي الذي هو الحق المطلق كما هو معلوم ضرورة، و اطراح له..


    قال تعالى : { فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون }


   وقال سبحانه : { اتبعْ ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو }


   وقد رد العلماء - رحمهم الله - على السوفسطائية وفكرة ( نسبية الحقيقة ) التي أصلوها ..


     قال الإمام ابن حزم - رحمه الله - في معرض رده عليهم : " ويقال - بالله التوفيق - لمن قال هي حق عند من هي عنده حق، وهي باطل عند من هي عنده باطل : إن الشيء لا يكون باعتقاد من اعتقد أنه حق، كما أنه لا يبطل باعتقاد من اعتقد أنه باطل، وإنما يكون الشيء حقا بكونه موجودا ثابتا، سواء اعتُقد أنه حق أو اعتُقد أنه باطل، ولو كان غير هذا لكان معدوما موجودا في حال واحد في ذاته، وهذا عين المحال " الفصل 1/ 44 - 45.


    وفي ثنايا رد أهل العلم على فكرة ( نسبية الحقيقة ) وبيان بطلانها اصطلحوا عليها - وفق حقيقة حال أصحابها - بـ [ مذهب المصوبة ! ]، ومعنى ذلك : أن كل الأقوال المتعارضة هي صواب في ذاتها ، أو : هذا صواب في ذاته عندكم، ونقيضه صواب في ذاته عندنا (!!).


    وعليه؛ فقول المتشرعة : " كل مجتهد مصيب " فهو على مخارج معتبرة وهي : أن المجتهد الاجتهاد الصحيح هو مصيب :


- في نفسه ..


- أو باعتبار من قلده تقليدا صحيحا ..


- أو بمعنى إصابته للأجر ..، فمن كان مسلك اجتهاده على الجادة فله نصيب من الأجر وإن أخطأ..، ولذا قال بعض العلماء : [ لكل مجتهد نصيب ! ]، أي : نصيب من الأجر ..


    أما حمل مقولة : " كل مجتهد مصيب" على أن كل مجتهد هو مصيب للحق في (ذاته) مع تعارض الأقوال ومناقضة بعضها لبعض فهذه [ سفسطة ! ] (1) ..


   قال أبو إسحاق الإسفرائيني - رحمه الله - متحدثا عن ذلك ( = مذهب المصوبة ) : " القول بأن كل مجتهد مصيب : أوله سفسطة، وآخره زندقة " سير أعلام النبلاء 17 / 355.


    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - عنه : " هذا المذهب أوله سفسطة وآخره زندقة؛ يعني : أن السفسطة جعل الحقائق تتبع العقائد كما قدمناه ...، وأما كون آخره زندقة فلأنه يرفع الأمر والنهي والإيجاب والتحريم والوعيد في هذه الأحكام، ويبقى الإنسان إن شاء أن يوجب وإن شاء أن يحرم، وتستوي الاعتقادات والأفعال، وهذا كفر وزندقة  "  الفتاوي 19 / 144 - 145، وانظر - أيضا - الفتاوي 19/ 135، و روضة الناظر لابن قدامة - رحمه الله - 20 / 419 - 420 - 425.


   ومما يدل على ضلال ( نسبية الحقيقة ) أن [ أيَّ باطل فبطلانه في طياته ! ] (2) .. 


    فادّعاء أن أيَّ قول هو حق في ذاته يعني أن الأقوال المتعارضة والمتناقضة هي كلها حق في ذاتها كذلك ..، فبطل مذهب المُصوبة من أساسه ..، فتأمل.


    قال العلامة ابن الجوزي - رحمه الله - نقلا عن النوبختي في سياق الرد على أرباب ( نسبية الحقيقة ) : "  .. ومن شهد على قوله بالبطلان من وجه فقد كفى خصمه تبيين فساد مذهبه " تلبيس إبليس ص : 41.


...........................


1. السفسطة : " نفي حقائق الأشياء " انظر  (تلبيس إبليس) ص : 39.


2. وهذا " النقض" من ( جنس) ما اصطلح عليه عند النُّظار بـ [ قلب الأدلة ! ] ..


     قال العلامة السمعاني - رحمه الله - : " وكل كلام أمكن قلبه على قائله، ويغير على ما جعله حجة فإنه يبطل من أصله " قواطع الأدلة 1/ 53. 


    وقد ألف الإمام ابن تيمية - رحمه الله - كتابا في ذلك عنوانه : ( قاعدة في أن كل دليل عقلي يحتج به مبتدع ففيه دليل على بطلان قوله ).



           والله المستعان .. 



        كتبه [ يوم الثلاثاء 29 جمادى الآخرة 1443 هـ / الموافق لـ 1 فبراير 2022 م ] :


       أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي الحسني - عامله الله بلطفه الخفي وكرمه الوفي -

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

** إيقاظ وتذكير لطلاب العلم : [ أسباب الشك في بعض كلام العلماء ! ]

** من علم التاريخ زاد عقله ..

مفهوم قوامة الرجل على المرأة (!)