** قبسات من مشكاة النبوة .. [ بئس أخو العشيرة ]
بسم الله الرحمن الرحيم
** قبسات من مشكاة النبوة ..
[ بئس أخو العشيرة ]
عن عائشة - رضي الله عنها - :" أن رجلا استأذن على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما رآه قال : بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة . فلما جلس تَطَلّق النبي - صلى الله عليه وسلم - في وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل قالت عائشة يا رسول الله : حين رأيت الرجل قلت له : كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا عائشة متى عهدتني فحاشا ؟ إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره" رواه البخاري ومسلم ومالك في الموطأ وأبو داود في سننه - رحمة الله على الجميع -
// منزلة الحديث :
هذا الحديث من [ جوامع الأدب، وإصلاح الأخلاق، وركائز التربية ، وشروط الدعوة الصالحة ] لذا قال فيه الإمام الخطابي - رحمه الله - :" جمع هذا الحديث علما وأدبا " الفتح 10/454، وتحفة الأحوذي6/113، وغيرهما.
// من فوائد الحديث :
- [ حسن خُلقه - صلى الله عليه وسلم - وعدم مجاراته للرجل ! ] ولذلك قال لعائشة - رضي الله عنها - :" متى عهدتني فحاشا ؟ "، قال تعالى في حقه: { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } .
- [ أناته - صلى الله عليه وسلم - وعدم الاستعجال وحسن توجيهه ] .
- [ الرفق بالجاهل والفاسق - وهذا هو الأصل (1) - ] ، ويتجلى ذلك في تركه - صلى الله عليه وسلم - الإغلاظ على هذا الرجل، حتى لا يظهر ما هو فيه.
- الجمع بين [ قول الحق، و ( حسن الفعل ! ] فـ " النبي - عليه الصلاة والسلام - إنما بذل له من حسن عشرته والرفق في مكالمته، ومع ذلك فلم يمدحه بقول، فلم يناقض قوله فيه فعله، فإن قوله فيه قول حق، وفعله معه حُسن عشرة، فيزول مع هذا التقرير الإشكال " الفتح 10/454.
- [ الفحش والتفحش كما يكون في الأفعال يكون في الأقوال ]، ففي لسان العرب 6/325 : " الفحش والفحشاء : القبيح من القول والفعل ".
- [ حرص عائشة - رضي الله عنها - على التعلم والمعرفة ] ولذلك كان لها - رضي الله عنها - في خصوص الأمر ما ليس لغيرها من سائر أزواجه - صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهن -، أنظر لوامع الأنوار للسفاريني - رحمه الله - 222 – مختصره.
- [ في الحديث وعيد شديد، وترهيب بليغ من فاحش القول ]، وأن من شر الناس منزلة عند الله، ومن أعظمهم ذنبا من اشتد فحش كلامه، حتى تركه الناس تجنبا لشر قوله، وهذا الوعيد جاء على العموم، فهو يتناول كل من كانت هذه صفته ومات عليها كما ذكر الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في الفتح 10/455.
- و [ في الحديث كذلك علامة من علامات نبوته - صلى الله عليه وسلم - ] وذلك في وصفه - عليه الصلاة والسلام - للرجل (2) بقوله :" بئس أخو العشيرة "، فإنه قد ظهر ذلك عليه كما وصف - عليه الصلاة والسلام - فهذا الرجل قد ارتد بعده (3) - عليه الصلاة والسلام -وجيء به أسيرا إلى الصديق - رضي الله عنه -، أنظر شرح مسلم للنووي 16/ 166، وتحفة الأحوذي 6/112.
- [ مشروعية تأليف القلوب لمصلحة شرعية ] فإن النبي - عليه الصلاة والسلام - ألان لهذا الرجل القول تأليفا له على الإسلام، أنظر شرح مسلم للنووي 16/144.
- [ في الحديث كذلك جواز غِيبة المجاهر بالفحش أو الفسق أو البدعة ! ] ، ولذلك قال أهل العلم :" احتج به البخاري - رحمه الله - على جواز غِيبة أهل الفساد وأهل الريب (4) " الأذكار للنووي 793، وانظر الفتح 10/454.
لكن هذا الجواز لابد من تقييده بـ [ الحاجة الشرعية ! ] و [ بقصد حَسن ! ]، مع [ عدم مجاوزة الحد ! ]، حتى لا يقع المرء في التفكه بالأعراض (5) كما ذكره الإمام القرافي - رحمه الله - في الفروق 4/208 وغيره.
- [ من اطلع من حال شخص على شيء وخشي أن غيره يغتر بجميل ظاهره، فيقع في محذور ما، فعليه أن يُطلعه على ما يحذر من ذلك قاصدا النصيحة ] ، أنظر الفتح 10/454، وتفسير القرآن الكريم لابن كثير – رحمه الله - 4/271.
- [ مشروعية مداراة أهل الشر والفساد ] فإن المداراة كما يقول العلامة ابن بطال - رحمه الله - :" من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس وترك الإغلاظ عليهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة" الفتح 10/454.
والفرق بينها وبين المداهنة كما قال القاضي عياض - رحمه الله - :" أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أوالدين أو هما معا ، وهي مباحة وربما استحبت، والمداهنة ترك الدين لصلاح الدنيا" الفتح 10/454.
قال صاحب مرقاة المفاتيح 7/3034 عند ذكره لهذا الفرق : " وهذه فائدة جليلة ينبغي حفظها والمحافظة عليها، فإن أكثر الناس عنها غافلون، و بالفرق بينهما جاهلون " اهـ، وانظر تحفة الأحوذي 6/113.
- باستحضار الفرق بين المداراة والمداهنة يتبدى : [ الجمع بين حديث : " بئس أخو العشيرة"، و حديث " التحذير من ذي الوجهين" ! ]، ويندفع ما يعرض في الأذهان من تعارض ظاهري بينهما . أنظر : التنوير شرح الجامع الصغير 6/187، وفيض القدير 3/568، وغيرهما.
- الملاحظ أن النبي - عليه الصلاة والسلام - لم يباشر هذا الرجل بالهجر تأديبا له، لأن هذا الباب [ يُناط بالمصلحة المعتبرة ! ] ..، ولذا فالهجر الشرعي ليس مقصودا لذاته كما يظن بعض الناس (!!).
..............................
(1). الأصل هو الرفق في الخطاب لأنه بمنزلة الغذاء، أما الشدة فيه فأمر عارض تُستعمل عند الحاجة وبحدها ومقدارها، فهي بمنزلة الدواء .
(2). الصحيح أنه عيينة بن حصن الفزاري كما جزم به غير واحد من العلماء ..
(3). وذُكر أنه بعدما ارتد في زمن الصديق - رضي الله عنه - وحارب، رجع وأسلم وحضر بعض الفتوح في عهد عمر - رضي الله عنه - وقيل فيه ما قيل . أنظر الفتح 10/455 وغيره.
(4). أنظر ما يستثنى من الغِيبة المحرمة رسالة ( رفع الريبة عما يجوز وما لا يجوز من الغيبة) للعلامة الشوكاني - رحمه الله -، وكتاب ( الفروق ) للإمام القرافي - رحمه الله - 4/ ص : 1338 فما بعدها ، و كتاب ( رياض الصالحين ) للإمام النووي - رحمه الله - ص : 432 - 433.
( 5). قال الإمام القرافي - رحمه الله - : " سألت جماعة من المحدثين والعلماء الراسخين في العلم عما يروى من قوله - عليه الصلاة والسلام - : ( لا غيبة في فاسق )، فقالوا لي : لم يصح ولا يجوز التفكه بعِرض الفاسق " الفروق 4/1341.
تنبه - يا رعاك الله - لقولهم : [ لايجوز التفكه بعِرض الفاسق ! ] ..
قلت : هذا في حق الفاسق ..
وعليه؛ فالجُرم أشد عند التفكه بعرض الصالح ؟!.
كتبه [ يوم الجمعة 18 ربيع الآخر 1442 هـ / الموافق لـ 4 ديسمبر 2020 م ] :
أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي الحسني المغربي - عامله الله بكرمه الوفي -
تعليقات
إرسال تعليق