** إيقاظ وتحذير : [ إفساد واسطة البلاغ ! ]
بسم الله الرحمن الرحيم
** إيقاظ وتحذير :
[ إفساد واسطة البلاغ ! ]
المتحدث في أمور الشرع بيانا وإرشادا ودعوة وتقريرا يُعد واسطة بين الله وخلقة ( = واسطة البلاغ ) ..
ولذا فهذه الواسطة لها مكانة علية لأن صاحبها - وكل بحسبه - يقوم مقام وراثة النبوة لعموم قوله - عليه الصلاة والسلام - في الحديث الصحيح : " العلماء ورثة الأنبياء ".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - : " .. وكان أسعد الناس بهذه الوراثة؛ أصحاب الكتاب والآثار المأخوذة عن سيد المرسلين وهم أهل القرآن والحديث، الباحثين في كل باب في العلم عن آثار الصحابة والتابعين، العالمين بصحيحه وعليله، الفاهمين بمنطوقه ودليله، السالكين سبيل السابقين، الذين أخبر بهم النبي - عليه الصلاة والسلام - حيث يقول : ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، و انتحال المبطلين، و تأويل الجاهلين) " جامع المسائل / المجموعة الخامسة ص : 40.
وعليه؛ فالخلل في شأن هذه الواسطة : [ مفسدة عظيمة ! ]، فبمقدار الخلل فيها يكون البُعد عن ميراث النبي - عليه الصلاة والسلام - وهديه ..، فتأمل.
ومن صور هذا الخلل :
- جعل ( القاص ) في مقام ( الواعظ) ..
- و جعل ( المثقف) في مقام ( طالب العلم ) ..
- و جعل ( المفكر 1 ) في مقام ( العالم )..
- وجعل ( صاحب المعلومات) في مقام ( صاحب العلم ) ..
وهكذا دواليك ..
فوُضعتْ الألقاب العلمية الشريفة في غير محالّها.. ، واختلطتْ مفاهيمها ..، وأُفسدتْ حقائقها ..، وانظر هذا العبث (2) - عيانا - في وسائل التواصل المختلفة والمتنوعة خاصة .. تجد عجبا ..، إلا من رحم الله تعالى.
فالعلم لا يُحرز بالألقاب *** والنفخ بالإطراء والإعجاب
قال العلامة رشيد رضا - رحمه الله - : " يحسب قوم أن إعطاء الألقاب الشريفة لغير أهلها ليس إلا من جزئيات الكذب التي لا ينجم عنها ضرر، ولا يتأثرها خطر، وغفلوا عن كون منح ألقاب الفضل والكمال لغير مستحقيها، كمنح رتب الشرف والوسامات لغير الجدير بها، وإن كلا الأمرين من أرزاء الأمم التي تودي بحياتها الأدبية والسياسية، وتقذفها في مهاوي الجهل والضعف " الأدب الصحيح / مجلة المنار - فاتحة العدد الثامن الذي صدر في 19 من شهر ذي الحجة سنة 1315.
وقد أسهم في هذا المسخ كثير من المشاركين في ساحة الدعوة من خلال الشبكة العنكبوتية الإلكترونية في مواقعها وصفحاتها ومنتدياتها وقنواتها ..بالنشر والإشهار والتشجيع على الالتفات إلى ذلك، والتغرير بالناس ..، فالحذر الحذر من الاستهانة (3) بهذا الأمر فـ [ الاستخفاف أخدود الزلل ! ] ..، - وحسبنا الله ونعم الوكيل -
قال العلامة جمال الدين القاسمي - رحمه الله - : " لا تعظم جاهلا فإن تعظيم الجاهل تقوية له على الجهل " جوامع الآداب ص : 11.
وهذا الإيقاظ والتحذير - يا رعاكم الله - أُنبه عليه ديانة ونصيحة وتحزنا ..، لا من باب الفخر والادعاء لنفسي ..، ولا من باب هلك الناس .. فتذكر (!).
ومما (يشير) إلى ما قصدناه بهذه المقالة ما أثر عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - حيث قال : " إنكم في زمان كثير فقهاؤه، قليل خطباؤه (4)، قليل سؤاله، كثير معطوه، العمل فيه قائد للهوى، وسيأتي من بعدكم زمان قليل فقهاؤه، كثير خطباؤه (4)، كثير سؤاله، قليل معطوه، الهوى فيه قائد للعمل َاعلموا أن حسن الهدي في آخر الزمان خير من بعض العمل ".
أخرجه الإمام البخاري - رحمه الله - في الأدب المفرد.
وقال الحافظ - رحمه الله - في الفتح 10/510 عند هذا الأثر : " وسنده صحيح، ومثله لا يقال من قبل الرأي " (5) .
قلت : وقصده - رحمه الله - أن هذا الأثر له حكم الرفع ..
وقال الحافظ ابن عبد البر - رحمه الله - عند هذا الأثر بنحو الألفاظ المذكورة قريبا : " هذا الحديث قد روي عن ابن مسعود من وجوه متصلة حسان متواترة ...، و العيان في هذا الزمان على صحة معنى هذا الحديث كالبرهان" الاستذكار 6/345.
قلت : هذا في زمانه - رحمه الله - فكيف الحال بهذا الزمان ؟؟
والله المستعان ..
........................
(1). قال العلامة الأديب محمود شاكر - رحمه الله - : ( وآفة زماننا تسييب الفكر بلا زمام يكبحه ) نمط صعب ونمط مخيف ص : 385.
(2). قال العلامة الأديب محمود شاكر - رحمه الله - : ( إن الشباب لا يضيع مع طول العمر، ولكنه يضيع مع طول العبث ) جمهرة مقالات الأستاذ محمود محمد شاكر 2/869.
(3). قال العلامة الأديب محمود شاكر - رحمه الله - : ( الاستهانة داء وبيل يطمس الطرق المؤدية إلى العلم والفهم ) مقدمة محمود شاكر على كتاب " أسرار البلاغة" ص 21.
(4). المراد بالخطباء - هنا - كل من يتصدر بدعوى توجيه الناس، ومن يتحدث بين أيديهم من غير علم ولا دراية (!!).
(5). قال الشيخ الألباني - رحمه الله - بعد نقله لكلام الحافظ هذا : ( قلت : ويؤيد ما قاله الحافظ مطابقة ما قبلها - أي : الجملة الأخيرة من الأثر - للواقع اليوم مما لا يعلم إلا بطريق الوحي ) صحيح الأدب المفرد ص : 293 / الحاشية : 1.
كتبه [ يوم الثلاثاء 14 جمادى الأولى 1442 هـ / الموافق لـ 29 ديسمبر 2020 م ] :
أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي الحسني - عامله الله بلطفه الخفي وكرمه الوفي -
تعليقات
إرسال تعليق