** إضاءات زمن المحن من قصة يوسف - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - :

 بسم الله الرحمن الرحيم



    ** إضاءات زمن المحن من قصة يوسف - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام  -  :



     معلوم أن سورة يوسف - عليه السلام - هي السورة الوحيدة في القرآن التي تقص قصة كاملة بعموم أحداثها ..، وهذه القصة هي [ قصة يوسف - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - ! ]..


    ومقرر أن سورة يوسف هي سورة مكية نزلت عام الحزن؛ أي : نزلت في وقت شدة، فناسب ذلك موضوعها العام وهو : [ الكلام عن المحن ! ]، فقد تعرضت قصتها التي تناولتها إلى الشدائد والإحن التي توالت على يوسف - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - وهي : محنة كيد إخوته، ومحنة الفراق، ومحنة إلقائه في الجُب، ومحنة الرق، ومحنة المراودة، ومحنة السجن .


    وعليه؛ فإن قصة يوسف من القَصص التي تُستخلص منها المعالم المضيئة للطريق في وقت الأزمات والمحن خاصة ..، وهذه المعالم كثيرة (1) ..، ومنها :


    أنه بعدما جاء إخوة يوسف - عليه السلام - عشاء يبكون إلى أبيهم يعقوب - عليه وعلى نبينا الصلاة و السلام - ، وادعوا كذبا أن الذئب قد أكل يوسف - عليه السلام - ، { وجاؤوا على قميصه بدم كذب } لتأكيد دعواهم فيما زعموا ..، فكانت سلامة القميص من أي خدش دليل كذبهم ..، فأحس الأب الصالح يعقوب - عليه السلام - بريبة في دعواهم بناء على قرائن الحال ..، فقابل هذه المحنة والشدة [ بكلمات مختصرات ! ] همس بها لسانه  :


- { بل سولت لكم أنفسكم أمرا }


- { فصبر جميل }


- { والله المستعان على ما تصفون }


    ثلاث كلمات معبرة تدل على بعض المعالم التي لابد من مراعاتها عند حلول الأزمات والشدائد ..


     فهذه الكلمات التي همس بها يعقوب - عليه السلام - تُرشدنا بمجملها إلى معلم مهم زمن المحن وهو :


- إن كان ولابد من الكلام : [ يُقتصر عند المحنة التي حلَّت على الكلمات المختصرات النافعة بمبعدة عن التطويل إلا عند الحاجة المعتبرة ! ] ..، فزمن الرزايا هو زمن اضطراب عادة، فالإكثار من الكلام عند ذلك من غير مصلحة متحققة مظنة الغلط، فـ " من كثر كلامه كثر سقطه  " روضة العقلاء للإمام ابن حبان - رحمه الله  - ص : 55. 


     قال الإمام عبد الرحمن بن مهدي - رحمه الله - : " ( أدركت الناس وهم على الجُمل ) . قال الإمام أحمد - رحمه الله - معقبا : ( يعني : لا يتكلمون، أي : لا يخاصمون، إنما هي جمل يسيرة بحروف معدودة، تقليلا من الكلام حتى المباح، وإبعادا لاحتمالات الزلل عند الإكثار ) " فضائح الفتن ص : 32.



   وقوله : { بل سولت لكم أنفسكم أمرا } يدل على الشك في دعواهم ..، ويُستفاد منه :


- [ معلم التبين والتثبت ! ] ..، و أهميته تكمن في النظر في مآلات الأمور والأخبار و تحقيق الاستبصار، و التحلي بالتؤدة وعدم الاستعجال، فـ " الخطأ زاد العَجول " .. 


قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين }


     قال الحسن البصري - رحمه الله - : " المؤمن وقاف حتى يتبين" الفتاوي للإمام ابن تيمية - رحمه الله - 10/ 382.



      وقوله : { فصبر جميل } يدل على :


- [ معلم الصبر ! ]، و تتبدى أهميته - مع الفقه والعلم - في تصور القضابا تصورا صحيحا، والتصرف - بشرطه - بفاعلية دون شطط ولا نزق ، وبوسطية بعيدا عن صنيع المنفعلة وحال المنهزمة، ففي الحديث الصحيح : " الصبر ضياء "..، فتأمل.


    قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - : " سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يقول : الصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه ولا معه " المدارج 2/160.


    أي : الذي سلم من السخط والتشكي إلى الخَلق .



       وقوله : { والله المستعان على ما تصفون } يدل على :


- [ معلم الاستعانة بالله تعالى ! ]   وتكمن أهميته في تحقيق التوفيق واجتناب بنيات الطريق، ويقوي الصلة بالله، ويحمل على الثبات على طاعته - جل وعلا -، فـ " العبد محتاج في كل وقت إلى الاستعانة بالله على طاعته، وتثبيت قلبه ولا حول ولا قوة إلا بالله " قاعدة في المحبة للإمام ابن تيمية - رحمه الله - ص : 171. 


    قال تعالى : { قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين }


    قال الإمام ابن تيمية - رحمه الله - : " .. وقد يُشكل الشيء ويَشتبه أمره في الابتداء، فإذا حصل الاستعانة بالله واستهداؤه ودعاؤه والافتقار إليه، أو سلوك الطريق الذي أمر بسلوكها هَدَى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم " الصفدية 1/295.



.......................


(1). وعند مراعاة هذه المعالم يَحسن تصور المرء زمن المحن كما يَحسن تصرفه عندها، فتصير المحن منحا .. فتنبه.



      كتبه [ يوم الجمعة 10 جمادى الأولى 1442 هـ / الموافق لـ 25 ديسمبر  2020 م ] :


     أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي الحسني - عامله الله بلطفه الخفي وكرمه الوفي -

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

** إيقاظ وتذكير لطلاب العلم : [ أسباب الشك في بعض كلام العلماء ! ]

** من علم التاريخ زاد عقله ..

مفهوم قوامة الرجل على المرأة (!)