[ من الحكمة أن تختار محاوراتك الجدلية ! ] ..

 بسم الله الرحمن الرحيم



   ▪️ [ من الحكمة أن تختار محاوراتك الجدلية ! ] ..



    من المقررات العلمية : أن الجدل ليس مقصودا بالذات.. ، فهو من باب الوسائل لا الغايات .. يخوض غماره [ صاحب الأهلية ! ] عند الحاجة الشرعية التي تُقدر بقدْرها .. ، فهو إذن كدفع الصائل .. فتنبه. 


    ولذا فالدعوة إلى الله تعالى  تسير بوجهين :


- أولهما : بـ [ الحكمة والموعظة الحسنة ! ] ، وهذا الوجه هو الذي يجب أن يكون غالبا في الميدان الدعوي لأنه المقصود أصالة ..


- ثانيهما : بـ [ الجدل المحمود ! ] ، وهو ليس بغالب لأنه ينبغي أن يكون - وفق الضوابط الشرعية والآداب المرعية - عندما يعرض ما يقتضيه ..


  وجَعْلُكَ - يا رعاك الله - المقام الغالب في محل الوجه العارض..، أو العكس = [  فتنة وفساد وبدعة منهجية خفية ! ] ..


    قال العلامة السمعاني - رحمه الله - : " جواب واحد يقام عليه برهان يكشف عن الحق، ويسكن إليه القلب، ويزول به تلجلجه، ( خير من ألف جواب جدلي وإن كان يقع به دفاع الخصوم وإسكاتهم )! " قواطع الأدلة 2/185. 


    قال تعالى : { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن }



    فتأمل - بارك الله فيك - الحكمة في تأخير (الجدل) في الآية ..، فمن ذلك : لأجل التنبيه على مرتبته ومقداره وسببه  .. 


      ولذا نجد الطريقة الدعوية لأهل التحقيق في العلم قديما وحديثا تقوم على (البيان) أضعاف، أضعاف، أضعاف ما تجد من (الردود والجدل)..، فتأمل وبالعلم تجمل .. 


  وإليكم هذا النص المتين للعلامة ابن باديس - رحمه الله - حيث قال  في سياق كلامه عن الدعوة والجدال  : " .. غير أن الدعوة بوجهيها ( يقصد الحكمة والموعظة الحسنة ) والجدال ليستا في منزلة واحدة في القصد والدوام : فإن المقصود بالذات هو الدعوة ، وأما الجدال فإنه غير مقصود بالذات ، وإنما يجب عند وجود المعارض بالشبهة ، والصاد بالباطل عن سبيل الله .

   فالدعوة بوجهيها أصل قائم دائم .

   والجدال يكون عند وجود ما يقتضيه، ولهذا كانت الدعوة بوجهيها محمودة على كل حال ، وكان الجدال مذموما في بعض الأحوال : وذلك فيما إذا استعمل عند عدم الحاجة إليه ، فيكون حينئذ ( شاغلا ) عن الدعوة ومؤديا - في الأكثر - إلى الفساد والفتنة " الدرر الغالية في آداب الدعوة والداعية ص : 44. 


    ومن صور المجادلة : (المناظرة) التي لا يُسعى إليها عند المتشرعة إلا " على جهة الاضطرار  .. لا على الاختيار " كما قال الإمام الآجري - رحمه الله - في أخلاق العلماء ص : 39.


   وقال العلامة تقي الدين الهلالي - رحمه الله - :" ومن رأيي أني أبعد عن المناظرة وأتجنبها ، فإذا ( اضطررت)!  إليها استعنت بالله وخضت غمارها.. " الدعوة إلى الله في أقطار مختلفة ص: 31.


    ف (التكثر) - إذن - بالمجادلة والمناظرة و (الدعاوى العريضة) في خصوص ذلك ..، هو خلاف سمت العقلاء فضلا عن الطلبة النجباء ..


      ورحمة الله على الإمام الذهبي حيث قال في معرض الكلام عن إخلاص طالب العلم : " وعلامة ذلك أنه يقصر من الدعاوى وحب المناظرة ، ومن قصد التكثر بعلمه ، ويزري على نفسه ، فإن تكثر بعلمه ، أو قال أنا أعلم من فلان فبعدا له " السير 7/17.


     فالحذر الحذر أن تطغى علينا  المجادلة  فنجعلها مقصودة بالذات..،  وتصبح الخصومة لنا خُلقا (!!) ، فهذا مسلك مذموم حيث من صار كذلك تجده يندفع بهذه المجادلة و الخصومة مع كل شيء ولأدنى شيء.. دون ميزان ، ولا يهتم بحق ولا باطل ، وإنما تصير غايته في هذه الحالة : [ ذات الغلبة والظهور !! ] ..


    بل ينتقل بهذا - حقيقة - من المفهوم الصحيح للجدل إلى مفهوم الشَغَب و " من خاض في الشغب تعوده ، ومن تعوده حُرم الإصابة واستروح إليه ، ومن عُرف به سقط سقوط الذرة " ..


     وهذا هو سر قول العلامة تقي الدين الهلالي - رحمه الله - :" والقاعدة التي أسير عليها هي تجنب المناظرة بقدر الإمكان ، ومن خالفني أقول له أنا حارث وأنت حارث وأرض الله واسعة ، فخذ بقعة من الأرض واحرثها وأنا أحرث هذه البقعة ، والحاصلات بيد الله.. " علماء ومفكرون عرفتهم لمحمد المجذوب 1/209.


    و عليه؛ فلا تجار - سلمك الله من كل سوء - غيرك في هذا المضمار من غير ضوابط محكمة ، ولا مقادير معتبرة ، وبلا اعتبار ولا تؤدة ..


     ولا تبال بما يرمونك به ما دمت على الجادة ..، فليس كل شبهة تستحق الكشف..، وليس كل كتابة مخالفة تستدعي الرد ..، وليس كل تعليق أعرج لابد أن يُدفع..، وليس كل استدراك باطل لابد أن ينقض .. 


    ولا نقصد بهذا المرقوم نفي الجدل بالمرّة، وإنما أن نجعله في مرتبته، وبمقداره وضوابطه..


    ورحمة الله على الإمام أبي بكر بن العربي المعافري المالكي حيث قال عن العاقل : ".. ولا يُذهب الزمان في مماشاة الجهال فإن ذلك لا آخر له " العواصم من القواصم ص : 281. 


    ويعجبني بصدد ما بيناه ما جادت به قريحة الدكتور خالد بن منصور الدريس - وفقه الله  - حيث قال : "  

 

   - من الحكمـة أن تختار ( معاركك النقاشية ) .


  - لا تسمـح للآخرين بسحبك إلى ( صراعات جدلية ) .. هم من يحـدد فيها أرض المعركة، وتوقيتها !


  - ليس من الضروري أن تُجادل الآخرين وتُناقشهم لتُثبت لهم أنك على حق .


  - ‏في كثير من الأحيان ‏ستجد أن المسألة لا تستحق كل ذلك الهدر الفكري والعاطفي " انتهى.



     نعم؛ لابد من رد الباطل انتصارا للسُنة وأهلها لكن [ وفق السُنة من كل وجه ! ] : في المضمون، والأسلوب ، و المقدار ، والحال ، والخُلُق ..


    قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - :" لا يمكن الرد على أهل الباطل إلا مع اتباع السنة من كل وجه، وإلا فإذا وافقها الرجل من وجه، وخالفها من وجه، طمع فيه خصومه من الوجه الذي خالفها فيه .." الصواعق المرسلة 4/150.



      فأحسن اختيار محاوراتك الجدلية ..، فهذا من الحكمة والمسالك السنية .. 



    والله المستعان .. ، وعليه التكلان .. 



      كتبه [ يومه الثلاثاء  2 شوال 1443 هـ / الموافق لـ 3 ماي 2022 م  ] :


      أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي الحسني - عامله الله بلطفه الخفي وكرمه الوفي -

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

** إيقاظ وتذكير لطلاب العلم : [ أسباب الشك في بعض كلام العلماء ! ]

** من علم التاريخ زاد عقله ..

مفهوم قوامة الرجل على المرأة (!)