شعار الحرية .. والدعاوى العمياء (!)

 بسم الله الرحمن الرحيم



  ▪️شعار الحرية .. والدعاوى العمياء (!) 


    [ *الحرية : إقامة حقوق العبودية* ]  الإملاء في إشكالات الإحياء لأبي حامد الغزالي - رحمه الله - / ملحق بالإحياء ص : 17. 



   لما كانت [ الألفاظ قوالب المعاني ! ] كانت المصطلحات وسيلة لنقل الأفكار وتوجيه العقل إلى معنى يرسخ فيه، حتى استغل كثير من الناس جملة من الألفاظ المجملة – بعد زخرفتها – لترويج أفكارهم ومذاهبهم.


   فكم خرجت من مناهج وأفكار وآراء ونظريات وتوجيهات خاطئة باطلة بعيدة عن الصواب ومجانبة للحقائق الإسلامية والأحكام الشرعية من خلال ألفاظ ومصطلحات محتملة رنانة.


   فإن " كل صاحب باطل لا يتمكن من ترويج باطله إلا بإخراجه في قالب حق " 1.


    فالمصطلحات والألفاظ المحتملة المجملة جُرعة سحرية يتناولها فرد أو جماعة، فتحول اتجاه تفكيره / تفكيرهم من جهة إلى أخرى – إن لم تفقده / تفقدهم التفكير أصلا -، وقد يتسلل هذا المصطلح إلى ( الرأي العام ) دون إدراك خطورته، من خلال وسيلة عامة ككتاب أو إذاعة أو صحيفة أو بث عبر الشبكة العنكبوتية .. إلى غير ذلك ، ولا يمضي وقت قصير حتى تضاف إليه الشروح والحواشي الباطلة، فيلتقط في وقته، ويرفع في حينه وإبانه فتظهر بعدُ انعكاساته الضارة عن طريق تزيينه وزخرفته، فيبدأ يعطي ثماره : فكرا وافدا وثقافة هجينة.


    ومن هذه المصطلحات: [ مصطلح الحرية ! ] الذي رُفع في وقتنا هذا – خصوصا - كشعار في خضم الأحداث التي تجري هنا، وهناك، وهنالك ..


   نعم؛ إن الحرية كلمة مغرية جميلة تأخذ بالألباب، ومقصد يسعى كل عاقل لتحقيقه، تنشرح لسماعها الصدور، ويألفها القلب، ويأنس بها الوجدان ..، فهي من أكثر الكلمات شيوعا واستعمالا، ولذا كانت عرضة للتزييف والتجريد، حيث أصبحت تعني كل شيء ولا شيء في الوقت نفسه (!).


   فإن ذيوعها وانتشارها أدى إلى تعدد معانيها بحسب معقول ومرجعية مستعمليها.


  كما قال أحد الحكماء : " إذا شاع اللفظ تشعبت معانيه بحسب معقول مستعمله ! ".


    ولذا استعملت كلمة الحرية عند أهل الزيغ في غير معناها الحقيقي الصحيح، وصارت شعارا براقا يُستغل لتغيير الحقائق الشرعية .. ، و التلبيس على البرية ..، فنادى هؤلاء بـ [ الحرية المطلقة ! ] والتي هي عندهم : " الخلوص من كل قيد والقدرة على الفعل مطلقا " من أجل اتباع الهوى والشهوة ، ونبذ الأصول المرضية ، والقواعد المرعية ، والأسس الشرعية.


   والاسم الصحيح المطابق لمفهوم الحرية المطلقة كما سماها القرآن الكريم : [  السُدِّية ! ] مصداقا لقوله تعالى :{ أيحسب الإنسان أن يترك سدى }


   قال الإمام الشافعي - رحمه الله - :" لم يختلف أهل العلم بالقرآن فيما علمت أن السدى الذي لا يؤمر ولا ينهى "2.


    فدعاة الحرية المطلقة يرونها شرطا ضروريا للتقدم ، وحقا أصيلا للتنمية – زعموا – .


   دعوا إلى الانحراف عن أحكام الشريعة بدعوى الحرية..


    وصوروا التقوى والعفاف، والحجاب الشرعي، والصلاة والصيام...، وطاعة المرأة لزوجها في المعروف قيودا للحرية والانطلاق ..


   ودعوا إلى المحافظة على الحقوق، وقالوا: هذا مقتضى الحرية، فإذا نظرنا إلى حقيقة ذلك وجدناه دعوة إلى إباحية مطلقة، وإشاعة للفاحشة ..


   ودعوا إلى تلبية الرغبات بدعوى الحرية، فإذا نظرنا إلى حقيقة ذلك وجدناه من تقديم الإغراءات الدنيوية المثيرة، والزخارف الفانية ، والنماذج الفاضحة الفادحة ، والشهوات المؤججة، وبطون لا تشبع، وزينة وتنافس هابط فتان.


   ودعوا إلى الانفتاح على الآخر بدعوى الحرية فإذا فتشنا عن ماهية الأمر وجدناه دعوة إلى مسخ الهُوية الإسلامية ..


   دعوا إلى حرية إبداء الرأي، والتعبير عن الفكر، مع أن حقيقة ذلك: أنهم يريدون صُنع من يكون أداة لهدم أصول شريعة رب العالمين، ومن يتمرد على عقائد وأحكام الدين ..


  ودعوا إلى الاجتهاد والنظر مطلقا بدعوى الحرية، فإذا نظرنا إلى حقيقة ذلك وجدناه دعوة إلى تبديل وتحريف أحكام الدين..


   دعوا إلى النقد الحر بدعوى الحرية فإذا تتبعنا حقيقة ذلك نجده دعوة إلى الانسلاخ عن الدين، والجرأة على حرمات رب العالمين..


    ودعوا إلى التعايش بدعوى الحرية، فإذا فتشنا عن حقيقة ذلك عندهم وجدناه دعوة إلى تفريغنا من عقيدتنا الصحيحة .. 


    إلى غير ذلك من الدعاوى الكاذبة الباطلة التي تُؤدي بالمرء إلى الانحراف عن الصراط المستقيم ..، وابتعاده عن بحبوحة الحرية الحقة التي ضمنتها لنا الشريعة بعدل وحكمة إلى دعاوى الحرية المطلقة الزائفة التي ما ينتج عنها إلا المآسي والبلايا، والمخالفات والرزايا..، حتى اشتهر في العَالَم قول ( مدام رولان ) : " أيتها الحرية ! كم من الجرائم قد ارتكبت باسمك ؟ "3.


    فليحذر كل مغتر من هذا الشعار الذي زُيِّف وأعمى كثيرا من القلوب والأبصار ..، فالحرب الفكرية شرسة .. 


    وليعلم وبيقين أن الإسلام قد كفل لنا الحرية الحقيقية والحقة، حيث أن حرية الإنسان في التشريع الإسلامي هي: فريضة اجتماعية وتكليف إلهي يتقيد بإيجاب الوقوف عند حدود الله وحرمة تجاوزها .. 


      قال تعالى : { تلك حدود الله فلا تقربوها } 


    وقال عز وجل : { تلك حدود الله فلا تعتدوها } 


    قال الإمام ابو حامد الغزالي - رحمه الله - : " وأما الحرية فالخلاص من أسر الشهوات وغموم الدنيا " 4


    وقال الإمام ابن القيم - رحمه الله - : " فالحر من تخلص من رق الماء والطين، وفاز بعبودية رب العالمين، فاجتمعت له العبودية والحرية، فعبوديته من كمال حريته، وحريته من كمال عبوديته "5.


    فمن أراد الحرية له ولغيره من غير أن يتخذ الشرع طريقا للرشد و الهداية فهو يمشي في ظلام وعماية، ونهاية أمره التخبط والضلال فلا مندوحة – إذن - لأحد يدعو إلى الحرية عن الرجوع إلى الشرع والركون إليه، والانطلاق منه ، فالإسلام كفل الحرية للجميع، أفرادا وزرافات في مختلف المجالات .. 


   وعليه؛ فإن كل دعوة للحرية مهما كان حجمها ، وأيّاً كان منطلقها أو الصائح بها أو الجهة التي خلفها إذا لم تكن قائمة على اتباع [ الشرع المنزل ! ] فهي حرب ضروس ودعوة للتنازع، ورفع للقيود مطلقا، ومناداة للتسيب ، وسلوك لمسلك الضياع والدمار والفوضى.



..................................


1. إغاثة اللهفان 2/821.


2 . السنن الكبرى للإمام البيهقي - رحمه الله - 10/113.


3 . أركان حقوق الإنسان للمحمصاني ص: 73.


4. الإحياء 3/284، وجاء في كتاب ( الحديقة ) لمحب الدين الخطيب - رحمه الله - 58/1 : " من ترك الشهوات عاش حرا ". 


5 . المدارج 29/2. 




       كتبه [ يوم الأربعاء 13 شعبان 1443 هـ / الموافق لـ 16 مارس 2022 م ] :


      أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي الحسني - عامله الله بلطفه الخفي وكرمه الوفي -

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

** إيقاظ وتذكير لطلاب العلم : [ أسباب الشك في بعض كلام العلماء ! ]

** من علم التاريخ زاد عقله ..

مفهوم قوامة الرجل على المرأة (!)