** مقال دمعت له عيني (!) ..

بسم الله الرحمن الرحيم


   ** مقال دمعت له عيني (!) ..


   في مكان هو : ( الصحراء )! ..، وفي زمان هو : [ ثلث الليل الأخير ! ] ..، كان ظرف مضمون الواقعة التي تناولها المقال الذي دمعت له عيني .. ، وحتى لا تُهرول في غير المسعى أخي القارئ أقول : قد دمعت عيني بكاء على سوء حالي وتفريطي في حق ربي... ، ف " إذا سلم لي إيماني فيا فوزي "!! ..

    إنها واقعة تُلامس القلب.. ، وتُشوق لمقامات القرب .. ، وتُذكر بأهل منزلة الحب.. ، وتَحمل على الاستحياء من الرب.. ، و " من لا يستحي يفعل ما يشتهي "! ..

    إنها واقعة يتجسد فيها لون من ألوان تعلق القلب بالله .. كذا ظني بصاحبها - ولا أزكيه على الله - .. فالله الله في تنقية القلوب.. والوصل بعلام الغيوب..  ف [ اغتسل ثم اتصل ! ]..

     واقعة تناديك - أيها المقصر في حق الله - للنهوض من رقدة الغفلة.. ، والتشمير - صدقا - للطاعة والقربة..، إنها تُناديك - عبد الله -.. فأجب [ نداء الخلوات ! ] ..


   وإليك المقال :

       ** نداء الخلوات !

  بقلم د. شادي النعمان - وفقه الله -


     قبل أكثر من عشر سنوات مضت، زرت مركزاً علمياً في صحراء بعيدة!
هناك حيث لا شيء سوى الرمال! ولا صوت إلا صوت السكون!
بيوت طينية، ماءُ آبارٍ، بداوةٌ على الفطرة..

    كانت هذه البيئة معينة لي على النشاط في القراءة والتحصيل العلمي..وكنت أسهر إلى وقتٍ متأخرٍ في الليل إما لقراءة كتابٍ أو سماعِ مواد علمية..

    وفي منتصف ليلة من تلك الليالي كنت أنهيت المواد الصوتية التي أسمعها فذهبت إلى الغرفة الخاصة بالمواد الصوتية في المركز لعلي أجدها مفتوحة فأتناول موادا جديدة.

     وعند باب الغرفة استوقفني صوتٌ عذبٌ ينبعث من داخلها..استمعت إلى آياتٍ تتلى كأنني لم أسمعها من قبل..ثم ما لبث هذا الصوت إلا واختلط بنحيبٍ خافتٍ وبكاءٍ هادئٍ..رقّ له قلبي..

     كان هذا صوت الأخ المسؤول عن الغرفة، كان واقفا بين يدي ربه في هذا الظلام وبين هذا السكون..يناجيه ويتضرع إليه في ثلث الليل الأخير..

     وقفت في مكاني أتأمل كيف يملأ الله قلب عبده حبا وشوقا إليه، فإذ به يأنس بربه في خلوةٍ في الصحراء! حيث لا يراه أحد ولا يسمعه أحد إلا الذي يسمع ويرى دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء -سبحانه-.

    وحدثتني نفسي فقالت: إذا كان العلم الذي نتحمله لا يحملنا للوقوف بين يدي ربنا هذا الموقف فكان أولى لنا ألا نتحمله..

    عدتُ إلى غرفتي كي لا أقطع خلوته بربه..

     ولما قمت لصلاة الفجر التقيته بعد الصلاة ورأيت الإرهاق يملأ عينيه من قلة النوم، وقد صارتا حمراوين من شدة البكاء..فسألته عن سبب ذلك وكأنني لا أدري!!

    فأجابني: فقط أعاني من بعض الحساسية بسبب رمال الصحراء وتأثيرها على العين!

    تكرر معي هذا الموقف في ليلةٍ ثانيةٍ وثالثةٍ ورابعةٍ..حتى صرت أتخذ مكانا إلى جانب غرفته في الثلث الأخير من الليل فأجلس حيث لا يشعر بي فأنصت لقراءته..وبكائه .. في وسط سكون الصحراء حيث لا شيء!

     عاد صاحبنا هذا إلى بلاده وكان من أقصى الغرب الإسلامي من بلاد المغرب الحبيب..وأنا أكتب هذه الكلمات في أقصى الشرق الإسلامي في أندونيسيا الجميلة..وقد فارقته وفارقني قبل عشر سنوات..ولم يكتب لنا التواصل أو اللقاء منذ ذلك الوقت..

     كثيرون هم الذين نلقاهم في هذه الحياة..

     قد يملؤون أوقاتنا، بل ويملؤون الدنيا ضجيجا وثرثرة، ولكنهم يمرون من حياتنا مرور الكرام..

     فلا تبقى في القلب ذكرى إلا لمن إذا تذكرتَه.. ذكَّرَتْكَ ذِكراهُ بالله..
وقليلٌ ما هم!

    الساعة في يدي تشير الآن إلى دخول الثلث الأخير من الليل..لا أدري لماذا لاحت ذكراه لي..ولا أدري ماذا يفعل الآن..لكن الظن به أنه واقف في هذه اللحظة بين يدي ربه في صحراء بعيدة حيث لا يراه ولا يسمعه أحد..
وكأن صوته العذب يملأ سمعي الآن..وبكاءه يعمل عمله في قلبي.

     ولا أدري إن كان سيُكتب لنا لقاء جديد على درب الحياة..غير أني أرجو من الله أن يظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله..فأحسبه -والله حسيبه- أنه ممن قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم: (ورجلٌ ذكر الله خاليا ففاضت عيناه)...

      انتهى مقال الدكتور شادي النعمان .. ، والله المستعان ..


     كتبه ونقله مستحييا من ربه العلي : [ 29 رمضان 1440/ الموافق ل: 2019/06/03]، أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي الحسني المغربي - عامله الله بكرمه الوفي -

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

** إيقاظ وتذكير لطلاب العلم : [ أسباب الشك في بعض كلام العلماء ! ]

** من علم التاريخ زاد عقله ..

مفهوم قوامة الرجل على المرأة (!)