** زمن التفاهة ..

بسم الله الرحمن الرحيم


           ** زمن التفاهة .. 

   من مظاهر هذا الزمان : الانقلاب المعياري والأخلاقي ، ومن دلائل ذلك : تصديق الكاذب ، و تخوين الأمين = [ خلل في الإدراك و الخُلُق ! ] ..

   إنه [ زمن التفاهة ! ] عندما يتكلم كثير من الناس في الشؤون العامة للأمة والمجتمعات .. وهم من أهل السفاهة .. ، فيزداد بصنيعهم البلاء في هذه السنين الخداعة (!) ..

   إنه [ زمن الرويبضة ! ] الذي تتجلى فيه عند الكثيرين ظاهرة ضياع الأمانة.. ،  و فتنة إسناد الأمر لغير أهله.. ، وظهور الفوضى.. ، وتعالم أنصاف المتعلمين ..، وحب التصدر المعرفي من الغشاشين ..

     إنه زمن بذل اللسان - بنوعيه - في كل واردة وحادثة بغير ميزان [ = شهوة الكلام وحمى إبداء الرأي ! ] ..، ف " من كثر كلامه كثر سقطه "! ..

  إنه " زمن ظلم العلم " عندما يؤخَّر العلماء ويقدم الدخلاء وأصحاب الفتن والبلاء ..

      يُظلم العلم عندما يُمَهد الطريق لمجرد الفكر و سراب الوهم بدعوى العلم والفهم .. ، وعندما يتكلم الداعية بموجب [ حالة نفسية ! ] زاعما أن حديثه تقتضيه عليه الفريضة الشرعية ..

   إنه زمن الرويبضة الذي يُظلم فيه العقل السليم ..، والخُلق المستقيم .. عندما [ ننساق مع ما يبثه الإعلام على اختلاف أشكاله ! ] دون الاعتماد على النظر الصحيح.. ، والمنهج المليح.. ، والنتيجة = تصورات فاسدة ..، وتوجهات باطلة ..، وتصرفات عاطلة ..

   اعلموا - يا رعاكم الله - أن من يحرصون على التعبير والكلام.. ، ويتصدرون للحديث عن الواقع والحال ..، كثرة كاثرة منهم - في زماننا - لا يمتلكون أهلية ذلك (!) ..

        إنه [ زمن التفاهة ! ] ..

    تنتكس فيه كثير من القلوب .. ، ويظهر فيه الفساد في التصورات والتصرفات .. ، وتتعالى فيه الدعاوى .. ، وتتبدى شقاشق الهذيان ..

   إنه [ زمن المتغيرات و العجائب ! ] .. حامل لوائها الرويبضة الذي عجنته التفاهة فدفعته للكلام .. - خاصة في وسائل الإعلام والتواصل المختلفة - في شؤون الأمة والمجتمعات .. بلا علم ولا حلم .. متوهما أنه يعين في إصلاح وضع مجتمعه ..، وحقيقة أمره : ( إصلاح مجتمع وضعه )! ..

       هذه نفثة مصدور رقمتها - [ تحزنا ! ] - لما عليه كثير من أحوال الأمة .. ، لا من باب هلك الناس ..، استوجبتها سوء الأوضاع ..، وكثرة الأوجاع ..، والله المستعان ..، و " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق .. " الحديث ..


  روى الإمام أحمد والبيهقي والحاكم - رحمهم الله - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - عليه الصلاة والسلام - : " سيأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب ، ويكذب فيها الصادق ، ويؤتمن فيها الخائن ، ويخون فيها الأمين ، وينطق فيها الرويبضة . قيل : وما الرويبضة ؟ قال : الرجل التافه يتكلم في أمر العامة " قال الشيخ الألباني - رحمه الله - : صحيح ، أنظر حديث رقم : 3650 في صحيح الجامع.

   قال الإمام الشاطبي - رحمه الله - عن معنى الرويبضة : " قالوا : هو الرجل التافه الحقير ينطق في أمور العامة ، كأنه ليس بأهل أن يتكلم في أمور العامة فيتكلم " الاعتصام 2/ 681 .

    وقد ظهرت معظم هذه العلامات الواردة في الحديث زمن فقيه المالكية الإمام ابن بطال - رحمه الله - حيث قال : " قد رأينا أكثر هذه العلامات ، وما بقي منها فغير بعيد " شرح صحيح البخاري 10/207 .

      ومن أعظم صور الرويبضة في واقعنا المعاصر خاصة.. من يتكلم بلسان الدين بغير علم ولا فقه فيتقول على الله في الأمور العامة التي تخص الأمة والمجتمعات ..، وانظر في ذلك - على سبيل المثال - ما يجري من عبث وفوضى في الفضائيات وعلى الشبكة العنكبوتية ..

     قال تعالى : { ولا تقف ما ليس لك به علم } ..

    ومن المظاهر الشنيعة في هذا المقام ما يمكن أن يصطلح عليه ب [ صناعة الرويبضة !  ] ..

 فيُصنع لتوجيه الأنظار والأفكار..
ويُصنع للإطاحة بالثوابت..
ويُصنع لإثارة البلبلة والفتن..
ويُصنع قصد التهييج والتصعيد..
ويُصنع للتأثير سَلْباً في الرأي العام..

    فيُلمّع ويُنفخ فيه .. ويتم إشهاره ..بطريقة أو بأخرى .. على أنه من أصحاب رصانة الفكر وجودة العلم .. ، وهو في الحقيقة من ذوي البلاء وسوء الفهم.. ، وهذا الصنف [ يتصدر .. لإفتاء الناس والكلام بلسان الشرع والمعرفة من غير أهلية !  ] ..، وانظر ذلك - في ساحة ميدان الدعوة والمعرفة خاصة - تر ..، وتأمل تجد ..

    ففي الحديث عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - أن رسول الله - عليه الصلاة والسلام - قال : " إن الله لا يقبض هذا العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ، ولكن يقبضه بموت أهله ، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا (1) فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا " متفق عليه.

     وفي رواية أخرى لهذا الحديث عند الإمام البخاري - رحمه الله - [ في كتاب ( الاعتصام ) تحت باب : ( ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس) رقم : 7307 ] بلفظ : " فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون " .

     قال العلامة العيني - رحمه الله - عند شرح هذا الحديث : " .. واتخذ الناس رؤساء جهالا (1) فيحكمون في دين الله تعالى برأيهم ويفتون بجهلهم . قال القاضي عياض : ( وقد وجد ذلك في زماننا كما أخبر به - عليه الصلاة والسلام - ) . قال الشيخ قطب الدين قلت : ( هذا قوله مع توفر العلماء في زمانه فكيف بزماننا  ؟! ) . قال العبد الضعيف : هذا قوله مع كثرة الفقهاء والعلماء من المذاهب الأربعة والمحدثين الكبار في زمانه ، فكيف بزماننا الذي خلت البلاد عنه ، وتصدرت الجهال بالإفتاء والتعيين في المجالس والتدريس في المدارس . فنسأل السلامة والعافية " عمدة القاري 2/83 .


         أصلحنا الله جميعا ..

...................................

(1) . و القصد بهم كما سبق ذكره من [ يتصدر  .. للفتوى في الشرع ..، والكلام بلسان الدين والمعرفة من غير أهلية ! ] ..

     ولذا قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في شرحه لحديث قبض العلم : " وفي هذا الحديث الحث على حفظ العلم ، والتحذير من ترئيس الجهلة ، وفيه أن الفتوى هي الرياسة الحقيقية ، وذم من يقدم عليها بغير علم " الفتح 1/165 .


        كتبه : [ يوم السبت 18 شوال 1440 هجرية / الموافق ل 22 يونيو 2019 ميلادية ] :

   أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي الحسني المغربي - عامله الله بكرمه الوفي -

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

** إيقاظ وتذكير لطلاب العلم : [ أسباب الشك في بعض كلام العلماء ! ]

** من علم التاريخ زاد عقله ..

مفهوم قوامة الرجل على المرأة (!)