** دور المعلم في التربية والتعليم ..
بسم الله الرحمن الرحيم
** دور المعلم في التربية والتعليم ..
من المتفق عليه بين أرباب التربية والتعليم أن المعلم [ هو العنصر الأساس في المشروع التربوي التعليمي ! ] ، لأن التعليم الناجح ، والتربية الصحيحة مردها أصالة إليه ، فهو أداة الإصلاح الأولى فيما نحن بصدده ، ومركز الإرشاد ، مما يؤكد دوره البالغ في بناء الفكر والعقل والأخلاق والسلوك ..
وعليه ؛ فهو " الأمين الأول في العملية المدرسية والتربوية ، كما أنه هو العامل الأساس في نجاح المدرسة أو إخفاقها ، وهو حجر الزاوية في كل نهضة تربوية تعليمية " الرسول العربي المربي ص : 425 .
ومما ينبغي على المعلم استحضاره ليكون له باعثا على الجد والاجتهاد في مشروعه التربوي التعليمي أنه إذا قام بوظيفته بحقها ومستحقها فله نصيب من الاقتداء بالنبي - عليه الصلاة والسلام - ، وكفى بهذا شرفا وفخرا له ..، ففي الحديث عند مسلم قال عليه الصلاةوالسلام : " إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنتا ، ولكن بعثني (معلما ميسرا)! " ..
فهو - عليه الصلاة والسلام - :" المعلم المربي الكبير - ولا أكبر منه معلما في البشر - ، والهادي الأمي البصير ، والرسول المبلغ المنير : هو الذي تدين لتعليمه وتربيته أمم كثيرة ، وتبجله شعوب وأقوام مختلفة في شتى أنحاء المعمورة ، تعد بمئات الملايين ، تخضع لقوله ، وتسترشد بهديه ، وتلتمس رضوان الله تعالى في اتباعه والاقتداء به " الرسول المعلِّم ص : 10 .
وقد شهد له صحابته الكرام - رضي الله عنهم - بذلك ، فهذا معاوية بن الحكم السلمي - رضي الله عنه - يقول : " .. فبأبي هو وأمي ما رأيت ( معلما)! قبله ولا بعده أحسن تعليما منه.. " رواه مسلم.
وهذا يستدعي من المعلمين الحرص على سيرته الشريفة - عليه الصلاة والسلام - خاصة في موضوع التعليم والتربية (1)، والعناية بها لأنها " مصدر هداية ، وسبيل رشاد للمعلمين في أداء مهامهم التعليمية ، وفيها فيض من المعرفة والهداية ، والخُلق الإسلامي ، ينبغي أن يتزود به المعلمون ، وأن يساعدوا تلاميذهم على اكتسابه " تربية المعلم للقرن الحادي والعشرين ص : 102 .
فينبغي - إذن - على المعلم أن يشهد [ مشهد المسؤولية ! ] في مهمته التربوية التعليمية ، ويتجلى ذلك في مراعاته - علما وعملا - لدوره المنوط به في هذا الباب ، وجماع متفرقاته : خمسة أدوار وهي : " المعلم والمعرفة "، و " المعلم والتعليم "، و " المعلم والتربية "، و " المعلم والرعاية "، و " المعلم والقدوة ".
// المعلم والمعرفة :
فضروري للمعلم أن يكون صاحب معرفة بما يقوم به في مشروعه التعليمي [ = التهيؤ والأهلية ! ] ، ف " من تصدر قبل أوانه فقد تصدى لهوانه "! ، و التقصير في هذا : لون من ألوان الغش .. ، وفي الحديث الصحيح : " من غشنا فليس منا " ..
وتتحقق المعرفة بالنسبة للمعلم بإحكامه لمادته - خاصة - " فإتقان المعلم للفن الذي يُدّرسه ، ومعرفته بتفصيلاته ودقائقه ، وإحاطته بكل ما يتعلق به يساعده على تقديم معلوماته للطلاب بكل سهولة ويسر ، ويعينه على شرح مفرداته ، وإيضاح مسائله بالأسلوب المناسب لعقليات طلابه ، بخلاف المعلم الذي لم يتمكن من مادته العلمية فإنه يعسر عليه جدا إيصال المعلومة إلى طلابه ، لأن فاقد الشيء لا يعطيه " آداب المعلم في العملية التعليمية من خلال كتاب سير أعلام النبلاء ص : 147-148.
كما ينبغي على المعلم الاستمرار في التعلم ولا يكتفي بما حصله في خصوص مادته في مرحلة من مراحل التحصيل والمعرفة ، فبذلك يُراجع فنه ويتعاهده ، ويتذاكره ، فيصحح ما يحتاج للتصحيح ، ويثبت ما صح قَبْلُ ، ويستفيد أكثر من جهة المعلومات والنظر والفهم.. ، ورحمة الله على الإمام قتادة حيث قال عنه مطر الوراق - رحمه الله : " ما زال قتادة (متعلما)! حتى مات " تهذيب الكمال 23/509 .
// المعلم والتعليم :
يجب على المعلم أن يكون ناصحا لتلاميذه وطلابه بحسن التعليم ، وبذل ما عنده من توجيهات معرفية وتربوية ، ونشر ذلك ، ويعجبني عند هذا الحرف من الكلام قول سعيد بن جبير - رحمه الله - :" لأن أنشر علمي أحب إلي من أذهب به إلى قبري " السير 4/326 .
وينبغي على المعلم أن يحرص في تعليمه على مراعاة [ فن التوجيه والمخاطبة ! ] بين دعامتي : " الإقناع ، و الاستمالة " ، وذلك ب :
. المقال : ويكون بحسن الأسلوب ، والعبارة المناسبة ، وسهولة الكلام ، والفصاحة اللائقة بالمقام ، وحسن ضرب المثال ..
. و بالحال : أي بالمناسب من الهيئة والإشارة والتصرف ، وهذا ما يسمى ب [ دلالة الحال ! ] ، فإنها من دلائل الإفهام الكاشفة عن حقيقة المراد..
وجماع ( المقال والحال ) في خصوص ما نتحدث عنه : اكتساب " ملكة العَرْض "! ..
ومن أهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها المعلم في تعليمه : [ الأمانة العلمية ! ] ..
ف " من أعظم الأمور التي تؤدي إلى سلامة المادة العلمية ، ونقل محتواها العلمي إلى أذهان المتعلمين نقلا صحيحا سليما من التغيير والتحريف : اتصاف المعلم ب (الأمانة العلمية)! " آداب المعلم في العملية التعليمية من خلال كتاب سير أعلام النبلاء ص : 159 .
// المعلم والتربية :
فلا يليق بالمعلم أن يكون باذلا للمعلومات والمعارف وهي خالية من رُوحها .. ، بل ينبغي أن تكون حية بجعلها مقترنة بالتربية.
والمقصود بذلك - هنا - : [ ربط المعلم لمادته وتخصصه بالجانب التربوي ! ] بالاستفادة من ذلك سلوكيا وعمليا ، فالفصام بين التعليم والتربية ، والعلم والعمل في مجال ما يُعزض من معارف من أعظم الخلل الذي تفشى في المشروع التعليمي ومؤسساته ، فلا بد من جعل المعارف ذات حياة بتطبيقها فيما نحياه ويحيط بنا ..، وإن كان هذا يظهر في بعض المواد الدراسية أكثر من غيرها.. ، فتأمل ..
فمراعاة جانب العمل بما يُبذل من معارف ، وتوظيفها تربويا ، وسلوكيا = يعطيها قيمة ومصداقية في نفوس التلاميذ والطلاب ، مما يجعل للمشروع التعليمي إشارقة ، ورونقا ، وحياة ، بل وحُرْقَة ، إلا أنها [ حرقة نور ، لا حرقة نار ! ] ، وبذلك كذلك نتجنب حالة المباعدة بين التنظير والتطبيق التي قد تعلق في الأذهان ، والتي قد تورث استخفافا بالعلوم ، وهذا بدوره يتسبب في حصول الزلل ، ف " الاستخفاف أخدود الزلل" ! ..
// المعلم والرعاية :
فالمعلم كما يحرص على تلقين مادته ، يجب عليه الحرص على [ رعاية طلابه وتلاميذه ! ] ، وذلك بالمراقبة ، والتعاهد ، والمساءلة في الجانب المعرفي بتتبع مدى حرصهم على دروسهم ، وإنجازهم لما كُلفوا به ، ومدى فهمهم ، وكذا الاهتمام بالجانب العقدي والفكري والأخلاقي ، والعمل على إصلاح تصوراتهم وأقوالهم وتصرفاتهم ، قصد تثبيت الاستقامة ، وتقويم ( العِوج / العَوج)2 ..
ومن الرعاية: محافظة المعلم على هيبة القسم بصيانته من اللغط ، والمشاغبة ، والخصومات، والجدل العقيم باستعمال الأساليب التربوية الناجعة ..
وقد تصل الرعاية إلى المعاتبة والمعاقبة بحدها وقدْرها المناسب للشخص والحال والمحل والظرف في حالات معينة لأن [ الأصل في باب التربية والتعليم قيامهما على الرغبة ، وأما الرهبة فعارضة ! ] ..
ف " رعاية المعلم لتلاميذه فيما يخص أمور دينهم ودنياهم ودراستهم ، من أعظم ما ينبغي على المعلم القيام به ؛ لأن التلاميذ ينظرون إلى معلمهم نظرة المربي والموجه ، فيتقبلون منه أكثر من غيره ، فكان عليه ألا يدخر وسعا في ذلك ، فينصح طلابه إن رأى منهم تقصيرا في واجب ، أو تهاونا فيما أنيط بهم ، كما أنه يبين لهم الطرق الصحيحة في اكتساب المعرفة...ولو كان ذلك بذكر شيء من تجاربه... ، فهو بهذا يبين لهم ركائز ودعائم لا يستغني عنها المتعلم في أثناء مشواره العلمي ، وحري بكل معلم أن يقدمها لطلابه بشيء من التفصيل والإيضاح ، فإن كثيرا من الطلاب اليوم إنما يثني عزمهم عن الدراسة والمعرفة ، ويقصر من همتهم في ذلك ، عدم وجود مثل هذه النصائح والتوجيهات ، التي تبين لهم ما يحتاجون إليه في طريق العلم ، وهنا يجدر التنبه إلى أنه على المعلم ألا يكثر الحديث عن نفسه أمام تلاميذه ، إلا إذا دعت إلى ذلك الحاجة بشرط نية النفع " آداب المعلم في العملية التعليمية من خلال كتاب سير أعلام النبلاء ص : 194-195-196 بتصرف .
// المعلم والقدوة :
لا يخفى أن القدوة من أعظم وسائل التعليم والتربية ، وأكثرها نفعا وتأثيرا في النفوس ..
ولذا ينبغي على المعلم أن يكون [ قدوة حسنة لطلابه وتلاميذه ! ] ب :
- أخلاقه الحسنة في نفسه ، ومن أهم ذلك : الإخلاص ، والصدق ، والصبر ، والتواضع..
- وسلوكه الرفيع مع طلابه ، ومن أهم ذلك : الرحمة ، والرفق ، والعدل ، والعفة..
- وحسن مظهره ، لأنه عنوان على السمت الحسن ، والوقار ، والشخصية المتزنة ، مما يستدعي - ضرورة - بُعْدَه عن كل ما يشينه ، وحرصه على ما يزينه ، فإن ذلك أدعى لاحترامه ، وتقديره ، والقبول منه ، والتأثر به ، والاستفادة منه..، فعموما (!) بين اللحظ واللفظ تلازم ..
- استواء أقواله مع أفعاله ، فهذا من مداخل التوقير له كذلك ، مما يثمر الأثر الإيجابي في المشروع التربوي التعليمي ، ف " الدليل بالفعل أرشد من الدليل بالقول " كما قال ابن الجوزي - رحمه الله - في صيد الخاطر ص : 159 .
قال العلامة محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله - : " إن التلميذ ربما يتلقى من معلمه من الأخلاق والآداب أكثر مما يتلقى منه من العلم من حيث التأثر ؛ لأن أخلاق المعلم وآدابه صورة مشهودة ، معبرة عما في نفسه ، ظاهرة في سلوكه ، فتنعكس هذه الصورة تماما على إرادة التلاميذ " العلم ص : 148 .
قال د. محمد بن سعد الدبل :
مُعَلِّمِي أَنْتَ الَّذِي *** بِالعِلْمِ قَدْ زَوَّدْتَنِي
فِي كُلِّ صُبْحٍ مُشْرِقٍ *** تَسْعَى لِمَا يَرْفَعُنِي
مُسْتَبْشِرًا مُبْتَسِمًا ***تَنْصَحُ أَوْ تَسْأَلُنِي
فِي كُلِّ يَوْمٍ وَاجِبٌ *** سَطَّرْتَهُ لِلشَّرْحِ
وَلا تُرِيدُ مِنَّةً ***فِي مَطْلَبِي وَمَنْحِي
تَزْرَعُ فِي رُوحِي المُنَى***بِالعَتْبِ أَوْ بِالصَّفْحِ
تَخْرُجُ مِنْ فَصْلٍ إِلَى *** فَصْلٍ لِتَرْعَى الزُّمَلا
تُكَرِّمُ المُؤَدَّبَا ***مُنَبِّهًا مَنْ غَفَلا
تَفْرَحُ إِذْ تَرَانَا ***وَكُلُّنَا قَدْ حَصلا
عَلَى نَجَاحٍ بَاهِرٍ ***يَمْلأُ عَيْنَ السَّاهِرِ
فَكَمْ سَهِرْتَ اللَّيْلَ ***تَنْظُرُ فِي الدَّفَاتِرِ
تُصَحِّحُ الأَغْلاطَ ***فِي دَأَبِ المُصَابِرِ
يَجْزِيكَ رَبُّ الخَلْقِ ***عَنَّا بِكُلِّ حَقِّ
عَنْ كُلِّ خَيْرٍ رُمْتَهُ ***لَنَا بِكُلِّ رِفْقِ
أَدَّيْتَهُ مُسَارِعًا ***بِذِمَّةٍ وَصِدْقِ
فالله الله يا أرباب التعليم والتربية في الشعور بالمسؤولية ، واستحضار الوقوف يوم القيامة بين يدي رب البرية ..
فأنتم حماة المعرفة ، ومربو الأجيال والناشئة ، وسقاة الغرس ، وعُمّار المدارس بالعلوم والمعارف ، و الخُلق الحسن والسلوك الرفيع ..
وأنتم صورة حية من النماذج الواعية الصادقة المقتدى بها ، والتي تحمل هم أمتها...
هذا المفروض فيكم ..، وهذا المأمول منكم ..
والله المستعان ..، وعليه التكلان ..
......................................
1. أنصح بهذه المناسبة بقراءة كتاب ( الرسول المعلِّم - صلى الله عليه وسلم - وأساليبه في التعليم ) ألفه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة - رحمه الله -
2 . أنظر في الفرق بينهما ما ذكره العلامة الألوسي - رحمه الله - في روح المعاني (8/ 274) عند تفسير قوله تعالى : { الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عِوجا } الكهف الآية: 1.
[ أعدت نشره - مع تعديل يسير - يومه الثلاثاء 25 ذو الحجة 1440 ھ / الموافق ل 27 غشت 2019 م ]
كتبه :
أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي الحسني - عامله الله بلطفه الخفي وكرمه الوفي -
** دور المعلم في التربية والتعليم ..
من المتفق عليه بين أرباب التربية والتعليم أن المعلم [ هو العنصر الأساس في المشروع التربوي التعليمي ! ] ، لأن التعليم الناجح ، والتربية الصحيحة مردها أصالة إليه ، فهو أداة الإصلاح الأولى فيما نحن بصدده ، ومركز الإرشاد ، مما يؤكد دوره البالغ في بناء الفكر والعقل والأخلاق والسلوك ..
وعليه ؛ فهو " الأمين الأول في العملية المدرسية والتربوية ، كما أنه هو العامل الأساس في نجاح المدرسة أو إخفاقها ، وهو حجر الزاوية في كل نهضة تربوية تعليمية " الرسول العربي المربي ص : 425 .
ومما ينبغي على المعلم استحضاره ليكون له باعثا على الجد والاجتهاد في مشروعه التربوي التعليمي أنه إذا قام بوظيفته بحقها ومستحقها فله نصيب من الاقتداء بالنبي - عليه الصلاة والسلام - ، وكفى بهذا شرفا وفخرا له ..، ففي الحديث عند مسلم قال عليه الصلاةوالسلام : " إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنتا ، ولكن بعثني (معلما ميسرا)! " ..
فهو - عليه الصلاة والسلام - :" المعلم المربي الكبير - ولا أكبر منه معلما في البشر - ، والهادي الأمي البصير ، والرسول المبلغ المنير : هو الذي تدين لتعليمه وتربيته أمم كثيرة ، وتبجله شعوب وأقوام مختلفة في شتى أنحاء المعمورة ، تعد بمئات الملايين ، تخضع لقوله ، وتسترشد بهديه ، وتلتمس رضوان الله تعالى في اتباعه والاقتداء به " الرسول المعلِّم ص : 10 .
وقد شهد له صحابته الكرام - رضي الله عنهم - بذلك ، فهذا معاوية بن الحكم السلمي - رضي الله عنه - يقول : " .. فبأبي هو وأمي ما رأيت ( معلما)! قبله ولا بعده أحسن تعليما منه.. " رواه مسلم.
وهذا يستدعي من المعلمين الحرص على سيرته الشريفة - عليه الصلاة والسلام - خاصة في موضوع التعليم والتربية (1)، والعناية بها لأنها " مصدر هداية ، وسبيل رشاد للمعلمين في أداء مهامهم التعليمية ، وفيها فيض من المعرفة والهداية ، والخُلق الإسلامي ، ينبغي أن يتزود به المعلمون ، وأن يساعدوا تلاميذهم على اكتسابه " تربية المعلم للقرن الحادي والعشرين ص : 102 .
فينبغي - إذن - على المعلم أن يشهد [ مشهد المسؤولية ! ] في مهمته التربوية التعليمية ، ويتجلى ذلك في مراعاته - علما وعملا - لدوره المنوط به في هذا الباب ، وجماع متفرقاته : خمسة أدوار وهي : " المعلم والمعرفة "، و " المعلم والتعليم "، و " المعلم والتربية "، و " المعلم والرعاية "، و " المعلم والقدوة ".
// المعلم والمعرفة :
فضروري للمعلم أن يكون صاحب معرفة بما يقوم به في مشروعه التعليمي [ = التهيؤ والأهلية ! ] ، ف " من تصدر قبل أوانه فقد تصدى لهوانه "! ، و التقصير في هذا : لون من ألوان الغش .. ، وفي الحديث الصحيح : " من غشنا فليس منا " ..
وتتحقق المعرفة بالنسبة للمعلم بإحكامه لمادته - خاصة - " فإتقان المعلم للفن الذي يُدّرسه ، ومعرفته بتفصيلاته ودقائقه ، وإحاطته بكل ما يتعلق به يساعده على تقديم معلوماته للطلاب بكل سهولة ويسر ، ويعينه على شرح مفرداته ، وإيضاح مسائله بالأسلوب المناسب لعقليات طلابه ، بخلاف المعلم الذي لم يتمكن من مادته العلمية فإنه يعسر عليه جدا إيصال المعلومة إلى طلابه ، لأن فاقد الشيء لا يعطيه " آداب المعلم في العملية التعليمية من خلال كتاب سير أعلام النبلاء ص : 147-148.
كما ينبغي على المعلم الاستمرار في التعلم ولا يكتفي بما حصله في خصوص مادته في مرحلة من مراحل التحصيل والمعرفة ، فبذلك يُراجع فنه ويتعاهده ، ويتذاكره ، فيصحح ما يحتاج للتصحيح ، ويثبت ما صح قَبْلُ ، ويستفيد أكثر من جهة المعلومات والنظر والفهم.. ، ورحمة الله على الإمام قتادة حيث قال عنه مطر الوراق - رحمه الله : " ما زال قتادة (متعلما)! حتى مات " تهذيب الكمال 23/509 .
// المعلم والتعليم :
يجب على المعلم أن يكون ناصحا لتلاميذه وطلابه بحسن التعليم ، وبذل ما عنده من توجيهات معرفية وتربوية ، ونشر ذلك ، ويعجبني عند هذا الحرف من الكلام قول سعيد بن جبير - رحمه الله - :" لأن أنشر علمي أحب إلي من أذهب به إلى قبري " السير 4/326 .
وينبغي على المعلم أن يحرص في تعليمه على مراعاة [ فن التوجيه والمخاطبة ! ] بين دعامتي : " الإقناع ، و الاستمالة " ، وذلك ب :
. المقال : ويكون بحسن الأسلوب ، والعبارة المناسبة ، وسهولة الكلام ، والفصاحة اللائقة بالمقام ، وحسن ضرب المثال ..
. و بالحال : أي بالمناسب من الهيئة والإشارة والتصرف ، وهذا ما يسمى ب [ دلالة الحال ! ] ، فإنها من دلائل الإفهام الكاشفة عن حقيقة المراد..
وجماع ( المقال والحال ) في خصوص ما نتحدث عنه : اكتساب " ملكة العَرْض "! ..
ومن أهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها المعلم في تعليمه : [ الأمانة العلمية ! ] ..
ف " من أعظم الأمور التي تؤدي إلى سلامة المادة العلمية ، ونقل محتواها العلمي إلى أذهان المتعلمين نقلا صحيحا سليما من التغيير والتحريف : اتصاف المعلم ب (الأمانة العلمية)! " آداب المعلم في العملية التعليمية من خلال كتاب سير أعلام النبلاء ص : 159 .
// المعلم والتربية :
فلا يليق بالمعلم أن يكون باذلا للمعلومات والمعارف وهي خالية من رُوحها .. ، بل ينبغي أن تكون حية بجعلها مقترنة بالتربية.
والمقصود بذلك - هنا - : [ ربط المعلم لمادته وتخصصه بالجانب التربوي ! ] بالاستفادة من ذلك سلوكيا وعمليا ، فالفصام بين التعليم والتربية ، والعلم والعمل في مجال ما يُعزض من معارف من أعظم الخلل الذي تفشى في المشروع التعليمي ومؤسساته ، فلا بد من جعل المعارف ذات حياة بتطبيقها فيما نحياه ويحيط بنا ..، وإن كان هذا يظهر في بعض المواد الدراسية أكثر من غيرها.. ، فتأمل ..
فمراعاة جانب العمل بما يُبذل من معارف ، وتوظيفها تربويا ، وسلوكيا = يعطيها قيمة ومصداقية في نفوس التلاميذ والطلاب ، مما يجعل للمشروع التعليمي إشارقة ، ورونقا ، وحياة ، بل وحُرْقَة ، إلا أنها [ حرقة نور ، لا حرقة نار ! ] ، وبذلك كذلك نتجنب حالة المباعدة بين التنظير والتطبيق التي قد تعلق في الأذهان ، والتي قد تورث استخفافا بالعلوم ، وهذا بدوره يتسبب في حصول الزلل ، ف " الاستخفاف أخدود الزلل" ! ..
// المعلم والرعاية :
فالمعلم كما يحرص على تلقين مادته ، يجب عليه الحرص على [ رعاية طلابه وتلاميذه ! ] ، وذلك بالمراقبة ، والتعاهد ، والمساءلة في الجانب المعرفي بتتبع مدى حرصهم على دروسهم ، وإنجازهم لما كُلفوا به ، ومدى فهمهم ، وكذا الاهتمام بالجانب العقدي والفكري والأخلاقي ، والعمل على إصلاح تصوراتهم وأقوالهم وتصرفاتهم ، قصد تثبيت الاستقامة ، وتقويم ( العِوج / العَوج)2 ..
ومن الرعاية: محافظة المعلم على هيبة القسم بصيانته من اللغط ، والمشاغبة ، والخصومات، والجدل العقيم باستعمال الأساليب التربوية الناجعة ..
وقد تصل الرعاية إلى المعاتبة والمعاقبة بحدها وقدْرها المناسب للشخص والحال والمحل والظرف في حالات معينة لأن [ الأصل في باب التربية والتعليم قيامهما على الرغبة ، وأما الرهبة فعارضة ! ] ..
ف " رعاية المعلم لتلاميذه فيما يخص أمور دينهم ودنياهم ودراستهم ، من أعظم ما ينبغي على المعلم القيام به ؛ لأن التلاميذ ينظرون إلى معلمهم نظرة المربي والموجه ، فيتقبلون منه أكثر من غيره ، فكان عليه ألا يدخر وسعا في ذلك ، فينصح طلابه إن رأى منهم تقصيرا في واجب ، أو تهاونا فيما أنيط بهم ، كما أنه يبين لهم الطرق الصحيحة في اكتساب المعرفة...ولو كان ذلك بذكر شيء من تجاربه... ، فهو بهذا يبين لهم ركائز ودعائم لا يستغني عنها المتعلم في أثناء مشواره العلمي ، وحري بكل معلم أن يقدمها لطلابه بشيء من التفصيل والإيضاح ، فإن كثيرا من الطلاب اليوم إنما يثني عزمهم عن الدراسة والمعرفة ، ويقصر من همتهم في ذلك ، عدم وجود مثل هذه النصائح والتوجيهات ، التي تبين لهم ما يحتاجون إليه في طريق العلم ، وهنا يجدر التنبه إلى أنه على المعلم ألا يكثر الحديث عن نفسه أمام تلاميذه ، إلا إذا دعت إلى ذلك الحاجة بشرط نية النفع " آداب المعلم في العملية التعليمية من خلال كتاب سير أعلام النبلاء ص : 194-195-196 بتصرف .
// المعلم والقدوة :
لا يخفى أن القدوة من أعظم وسائل التعليم والتربية ، وأكثرها نفعا وتأثيرا في النفوس ..
ولذا ينبغي على المعلم أن يكون [ قدوة حسنة لطلابه وتلاميذه ! ] ب :
- أخلاقه الحسنة في نفسه ، ومن أهم ذلك : الإخلاص ، والصدق ، والصبر ، والتواضع..
- وسلوكه الرفيع مع طلابه ، ومن أهم ذلك : الرحمة ، والرفق ، والعدل ، والعفة..
- وحسن مظهره ، لأنه عنوان على السمت الحسن ، والوقار ، والشخصية المتزنة ، مما يستدعي - ضرورة - بُعْدَه عن كل ما يشينه ، وحرصه على ما يزينه ، فإن ذلك أدعى لاحترامه ، وتقديره ، والقبول منه ، والتأثر به ، والاستفادة منه..، فعموما (!) بين اللحظ واللفظ تلازم ..
- استواء أقواله مع أفعاله ، فهذا من مداخل التوقير له كذلك ، مما يثمر الأثر الإيجابي في المشروع التربوي التعليمي ، ف " الدليل بالفعل أرشد من الدليل بالقول " كما قال ابن الجوزي - رحمه الله - في صيد الخاطر ص : 159 .
قال العلامة محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله - : " إن التلميذ ربما يتلقى من معلمه من الأخلاق والآداب أكثر مما يتلقى منه من العلم من حيث التأثر ؛ لأن أخلاق المعلم وآدابه صورة مشهودة ، معبرة عما في نفسه ، ظاهرة في سلوكه ، فتنعكس هذه الصورة تماما على إرادة التلاميذ " العلم ص : 148 .
قال د. محمد بن سعد الدبل :
مُعَلِّمِي أَنْتَ الَّذِي *** بِالعِلْمِ قَدْ زَوَّدْتَنِي
فِي كُلِّ صُبْحٍ مُشْرِقٍ *** تَسْعَى لِمَا يَرْفَعُنِي
مُسْتَبْشِرًا مُبْتَسِمًا ***تَنْصَحُ أَوْ تَسْأَلُنِي
فِي كُلِّ يَوْمٍ وَاجِبٌ *** سَطَّرْتَهُ لِلشَّرْحِ
وَلا تُرِيدُ مِنَّةً ***فِي مَطْلَبِي وَمَنْحِي
تَزْرَعُ فِي رُوحِي المُنَى***بِالعَتْبِ أَوْ بِالصَّفْحِ
تَخْرُجُ مِنْ فَصْلٍ إِلَى *** فَصْلٍ لِتَرْعَى الزُّمَلا
تُكَرِّمُ المُؤَدَّبَا ***مُنَبِّهًا مَنْ غَفَلا
تَفْرَحُ إِذْ تَرَانَا ***وَكُلُّنَا قَدْ حَصلا
عَلَى نَجَاحٍ بَاهِرٍ ***يَمْلأُ عَيْنَ السَّاهِرِ
فَكَمْ سَهِرْتَ اللَّيْلَ ***تَنْظُرُ فِي الدَّفَاتِرِ
تُصَحِّحُ الأَغْلاطَ ***فِي دَأَبِ المُصَابِرِ
يَجْزِيكَ رَبُّ الخَلْقِ ***عَنَّا بِكُلِّ حَقِّ
عَنْ كُلِّ خَيْرٍ رُمْتَهُ ***لَنَا بِكُلِّ رِفْقِ
أَدَّيْتَهُ مُسَارِعًا ***بِذِمَّةٍ وَصِدْقِ
فالله الله يا أرباب التعليم والتربية في الشعور بالمسؤولية ، واستحضار الوقوف يوم القيامة بين يدي رب البرية ..
فأنتم حماة المعرفة ، ومربو الأجيال والناشئة ، وسقاة الغرس ، وعُمّار المدارس بالعلوم والمعارف ، و الخُلق الحسن والسلوك الرفيع ..
وأنتم صورة حية من النماذج الواعية الصادقة المقتدى بها ، والتي تحمل هم أمتها...
هذا المفروض فيكم ..، وهذا المأمول منكم ..
والله المستعان ..، وعليه التكلان ..
......................................
1. أنصح بهذه المناسبة بقراءة كتاب ( الرسول المعلِّم - صلى الله عليه وسلم - وأساليبه في التعليم ) ألفه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة - رحمه الله -
2 . أنظر في الفرق بينهما ما ذكره العلامة الألوسي - رحمه الله - في روح المعاني (8/ 274) عند تفسير قوله تعالى : { الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عِوجا } الكهف الآية: 1.
[ أعدت نشره - مع تعديل يسير - يومه الثلاثاء 25 ذو الحجة 1440 ھ / الموافق ل 27 غشت 2019 م ]
كتبه :
أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي الحسني - عامله الله بلطفه الخفي وكرمه الوفي -
تعليقات
إرسال تعليق