** دور المعلم في التربية والتعليم ..

بسم الله الرحمن الرحيم


    ** دور المعلم في التربية والتعليم .. 


      من المتفق عليه بين أرباب التربية والتعليم أن المعلم [ هو العنصر الأساس في المشروع التربوي التعليمي ! ] ، لأن التعليم الناجح ، والتربية الصحيحة مردها أصالة إليه ، فهو أداة الإصلاح الأولى فيما نحن بصدده ، ومركز الإرشاد ، مما يؤكد دوره البالغ في بناء الفكر والعقل والأخلاق والسلوك ..

     وعليه ؛ فهو " الأمين الأول في العملية المدرسية والتربوية ، كما أنه هو العامل الأساس في نجاح المدرسة أو إخفاقها ، وهو حجر الزاوية في كل نهضة تربوية تعليمية " الرسول العربي المربي ص : 425 .

    ومما ينبغي على المعلم استحضاره ليكون له باعثا على الجد والاجتهاد في مشروعه التربوي التعليمي أنه إذا قام بوظيفته بحقها ومستحقها فله نصيب من الاقتداء بالنبي - عليه الصلاة والسلام - ، وكفى بهذا شرفا وفخرا له ..، ففي الحديث عند مسلم قال عليه الصلاةوالسلام : " إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنتا ، ولكن بعثني (معلما ميسرا)! " ..

    فهو - عليه الصلاة والسلام - :" المعلم المربي الكبير - ولا أكبر منه معلما في البشر - ، والهادي الأمي البصير ، والرسول المبلغ المنير : هو الذي تدين لتعليمه وتربيته أمم كثيرة ، وتبجله شعوب وأقوام مختلفة في شتى أنحاء المعمورة ، تعد بمئات الملايين ، تخضع لقوله ، وتسترشد بهديه ، وتلتمس رضوان الله تعالى في اتباعه والاقتداء به " الرسول المعلِّم ص : 10 .

    وقد شهد له صحابته الكرام - رضي الله عنهم - بذلك ، فهذا معاوية بن الحكم السلمي - رضي الله عنه - يقول : " .. فبأبي هو وأمي ما رأيت ( معلما)!  قبله ولا بعده أحسن تعليما منه.. " رواه مسلم.

    وهذا يستدعي من المعلمين الحرص على سيرته الشريفة - عليه الصلاة والسلام - خاصة في موضوع التعليم والتربية (1)،  والعناية بها لأنها " مصدر هداية ، وسبيل رشاد للمعلمين في أداء مهامهم التعليمية ، وفيها فيض من المعرفة والهداية ، والخُلق الإسلامي ، ينبغي أن يتزود به المعلمون ، وأن يساعدوا تلاميذهم على اكتسابه " تربية المعلم للقرن الحادي والعشرين ص : 102 .

     فينبغي - إذن - على المعلم أن يشهد [ مشهد المسؤولية ! ] في مهمته التربوية التعليمية ، ويتجلى ذلك في مراعاته - علما وعملا - لدوره المنوط به في هذا الباب ، وجماع متفرقاته :  خمسة أدوار وهي : " المعلم والمعرفة "، و " المعلم والتعليم "، و " المعلم والتربية "، و " المعلم والرعاية "، و " المعلم والقدوة ".


    // المعلم والمعرفة :

   فضروري للمعلم أن يكون صاحب معرفة بما يقوم به في مشروعه التعليمي [ = التهيؤ والأهلية ! ] ، ف " من تصدر قبل أوانه فقد تصدى لهوانه "! ، و التقصير في هذا : لون من ألوان الغش .. ، وفي الحديث الصحيح : " من غشنا فليس منا " ..
 
    وتتحقق المعرفة بالنسبة للمعلم بإحكامه لمادته - خاصة - " فإتقان المعلم للفن الذي يُدّرسه ، ومعرفته بتفصيلاته ودقائقه ، وإحاطته بكل ما يتعلق به يساعده على تقديم معلوماته للطلاب بكل سهولة ويسر ، ويعينه على شرح مفرداته ، وإيضاح مسائله بالأسلوب المناسب لعقليات طلابه ، بخلاف المعلم الذي لم يتمكن من مادته العلمية فإنه يعسر عليه جدا إيصال المعلومة إلى طلابه ، لأن فاقد الشيء لا يعطيه " آداب المعلم في العملية التعليمية من خلال كتاب سير أعلام النبلاء ص : 147-148.

    كما ينبغي على المعلم الاستمرار في التعلم ولا يكتفي بما حصله في خصوص مادته في مرحلة من مراحل التحصيل والمعرفة ، فبذلك يُراجع فنه  ويتعاهده ، ويتذاكره ، فيصحح ما يحتاج للتصحيح ، ويثبت ما صح قَبْلُ ، ويستفيد أكثر من جهة المعلومات والنظر والفهم.. ، ورحمة الله على الإمام قتادة حيث قال عنه مطر الوراق - رحمه الله : " ما زال قتادة (متعلما)! حتى مات " تهذيب الكمال 23/509 .


        // المعلم والتعليم :

 يجب على المعلم أن يكون ناصحا لتلاميذه وطلابه بحسن التعليم ، وبذل ما عنده من توجيهات معرفية وتربوية ، ونشر ذلك ، ويعجبني عند هذا الحرف من الكلام قول سعيد بن جبير - رحمه الله - :" لأن أنشر علمي أحب إلي من أذهب به إلى قبري " السير 4/326 .

    وينبغي على المعلم أن يحرص في تعليمه على مراعاة [ فن التوجيه والمخاطبة ! ] بين دعامتي : " الإقناع ، و الاستمالة " ، وذلك ب :

    . المقال : ويكون بحسن الأسلوب ، والعبارة المناسبة ، وسهولة الكلام ، والفصاحة اللائقة بالمقام ، وحسن ضرب المثال ..

    . و بالحال : أي بالمناسب من الهيئة والإشارة والتصرف ، وهذا ما يسمى ب [ دلالة الحال ! ] ، فإنها من دلائل الإفهام الكاشفة عن حقيقة المراد..

     وجماع ( المقال والحال ) في خصوص ما نتحدث عنه : اكتساب " ملكة العَرْض "! ..

    ومن أهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها المعلم في تعليمه : [ الأمانة العلمية ! ] ..

    ف " من أعظم الأمور التي تؤدي إلى سلامة المادة العلمية ، ونقل محتواها العلمي إلى أذهان المتعلمين نقلا صحيحا سليما من التغيير والتحريف : اتصاف المعلم ب (الأمانة العلمية)! " آداب المعلم في العملية التعليمية من خلال كتاب سير أعلام النبلاء ص : 159 .


        // المعلم والتربية :

  فلا يليق بالمعلم أن يكون باذلا للمعلومات والمعارف وهي خالية من رُوحها .. ، بل ينبغي أن تكون حية بجعلها مقترنة بالتربية.

     والمقصود بذلك - هنا - : [ ربط المعلم لمادته وتخصصه بالجانب التربوي ! ] بالاستفادة من ذلك سلوكيا وعمليا ، فالفصام بين التعليم والتربية ، والعلم والعمل في مجال ما يُعزض من معارف من أعظم الخلل الذي تفشى في المشروع التعليمي ومؤسساته ، فلا بد من جعل المعارف ذات حياة بتطبيقها فيما نحياه ويحيط بنا ..، وإن كان هذا يظهر في بعض المواد الدراسية أكثر من غيرها.. ، فتأمل ..
   
     فمراعاة جانب العمل بما يُبذل من معارف ، وتوظيفها تربويا ، وسلوكيا = يعطيها قيمة ومصداقية في نفوس التلاميذ والطلاب ، مما يجعل للمشروع التعليمي إشارقة ، ورونقا ، وحياة ، بل وحُرْقَة ، إلا أنها [ حرقة نور ، لا حرقة نار ! ] ، وبذلك كذلك نتجنب حالة المباعدة بين التنظير والتطبيق التي قد تعلق في الأذهان ، والتي قد تورث استخفافا بالعلوم ، وهذا بدوره يتسبب في حصول الزلل ، ف " الاستخفاف أخدود الزلل" ! ..


         // المعلم والرعاية :

  فالمعلم كما يحرص على تلقين مادته ، يجب عليه الحرص على [ رعاية طلابه وتلاميذه ! ] ، وذلك بالمراقبة ، والتعاهد ، والمساءلة في الجانب المعرفي بتتبع مدى حرصهم على دروسهم  ، وإنجازهم لما كُلفوا به ، ومدى فهمهم ، وكذا الاهتمام بالجانب العقدي والفكري والأخلاقي ، والعمل على إصلاح تصوراتهم وأقوالهم وتصرفاتهم ، قصد تثبيت الاستقامة ، وتقويم ( العِوج / العَوج)2 ..

      ومن الرعاية:  محافظة المعلم على هيبة القسم بصيانته من اللغط ، والمشاغبة ، والخصومات، والجدل العقيم باستعمال الأساليب التربوية الناجعة ..

    وقد تصل الرعاية إلى المعاتبة والمعاقبة بحدها وقدْرها المناسب للشخص والحال والمحل والظرف في حالات معينة لأن [ الأصل في باب التربية والتعليم قيامهما على الرغبة ، وأما الرهبة فعارضة ! ] ..

    ف " رعاية المعلم لتلاميذه فيما يخص أمور دينهم ودنياهم ودراستهم ، من أعظم ما ينبغي على المعلم القيام به ؛ لأن التلاميذ ينظرون إلى معلمهم نظرة المربي والموجه ، فيتقبلون منه أكثر من غيره ، فكان عليه ألا يدخر وسعا في ذلك ، فينصح طلابه إن رأى منهم تقصيرا في واجب ، أو تهاونا فيما أنيط بهم ، كما أنه يبين لهم الطرق الصحيحة في اكتساب المعرفة...ولو كان ذلك بذكر شيء من تجاربه... ، فهو بهذا يبين لهم ركائز ودعائم لا يستغني عنها المتعلم في أثناء مشواره العلمي ، وحري بكل معلم أن يقدمها لطلابه بشيء من التفصيل والإيضاح ، فإن كثيرا من الطلاب اليوم إنما يثني عزمهم عن الدراسة والمعرفة ، ويقصر من همتهم في ذلك ، عدم وجود مثل هذه النصائح والتوجيهات ، التي تبين لهم ما يحتاجون إليه في طريق العلم ، وهنا يجدر التنبه إلى أنه على المعلم ألا يكثر الحديث عن نفسه أمام تلاميذه ، إلا إذا دعت إلى ذلك الحاجة بشرط نية النفع " آداب المعلم في العملية التعليمية من خلال كتاب سير أعلام النبلاء ص : 194-195-196 بتصرف .


          // المعلم والقدوة :

    لا يخفى أن القدوة من أعظم وسائل التعليم والتربية ، وأكثرها نفعا وتأثيرا في النفوس ..

    ولذا ينبغي على المعلم أن يكون [ قدوة حسنة لطلابه وتلاميذه ! ] ب :

  - أخلاقه الحسنة في نفسه ، ومن أهم ذلك : الإخلاص ، والصدق ، والصبر ، والتواضع..

  - وسلوكه الرفيع مع طلابه ، ومن أهم ذلك : الرحمة ، والرفق ، والعدل ، والعفة..

  - وحسن مظهره ، لأنه عنوان على السمت الحسن ، والوقار ، والشخصية المتزنة ، مما يستدعي - ضرورة - بُعْدَه عن كل ما يشينه ، وحرصه على ما يزينه ، فإن ذلك أدعى لاحترامه ، وتقديره ، والقبول منه ، والتأثر به ، والاستفادة منه..، فعموما (!) بين اللحظ واللفظ تلازم ..

  - استواء أقواله مع أفعاله ، فهذا من مداخل التوقير له كذلك ، مما يثمر الأثر الإيجابي في المشروع التربوي التعليمي ، ف " الدليل بالفعل أرشد من الدليل بالقول " كما قال ابن الجوزي - رحمه الله - في صيد الخاطر ص : 159 .

     قال العلامة محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله - : " إن التلميذ ربما يتلقى من معلمه من الأخلاق والآداب أكثر مما يتلقى منه من العلم من حيث التأثر ؛ لأن أخلاق المعلم وآدابه صورة مشهودة ، معبرة عما في نفسه ، ظاهرة في سلوكه ، فتنعكس هذه الصورة تماما على إرادة التلاميذ " العلم ص : 148 .


   قال د.  محمد بن سعد الدبل :


مُعَلِّمِي أَنْتَ الَّذِي *** بِالعِلْمِ قَدْ زَوَّدْتَنِي

فِي كُلِّ صُبْحٍ مُشْرِقٍ *** تَسْعَى لِمَا يَرْفَعُنِي

مُسْتَبْشِرًا مُبْتَسِمًا ***تَنْصَحُ أَوْ تَسْأَلُنِي

فِي كُلِّ يَوْمٍ وَاجِبٌ *** سَطَّرْتَهُ لِلشَّرْحِ

وَلا تُرِيدُ مِنَّةً ***فِي مَطْلَبِي وَمَنْحِي

تَزْرَعُ فِي رُوحِي المُنَى***بِالعَتْبِ أَوْ بِالصَّفْحِ

تَخْرُجُ مِنْ فَصْلٍ إِلَى *** فَصْلٍ لِتَرْعَى الزُّمَلا

تُكَرِّمُ المُؤَدَّبَا ***مُنَبِّهًا مَنْ غَفَلا

تَفْرَحُ إِذْ تَرَانَا ***وَكُلُّنَا قَدْ حَصلا

عَلَى نَجَاحٍ بَاهِرٍ ***يَمْلأُ عَيْنَ السَّاهِرِ

فَكَمْ سَهِرْتَ اللَّيْلَ ***تَنْظُرُ فِي الدَّفَاتِرِ

تُصَحِّحُ الأَغْلاطَ ***فِي دَأَبِ المُصَابِرِ

يَجْزِيكَ رَبُّ الخَلْقِ ***عَنَّا بِكُلِّ حَقِّ

عَنْ كُلِّ خَيْرٍ رُمْتَهُ ***لَنَا بِكُلِّ رِفْقِ

أَدَّيْتَهُ مُسَارِعًا ***بِذِمَّةٍ وَصِدْقِ


     فالله الله يا أرباب التعليم والتربية في الشعور بالمسؤولية ، واستحضار الوقوف يوم القيامة بين يدي رب البرية  ..

    فأنتم حماة المعرفة ، ومربو الأجيال والناشئة ، وسقاة الغرس ، وعُمّار المدارس بالعلوم والمعارف ، و الخُلق الحسن والسلوك الرفيع ..

    وأنتم صورة حية من النماذج الواعية الصادقة المقتدى بها ، والتي تحمل هم أمتها...

    هذا المفروض فيكم ..، وهذا المأمول منكم  ..


    والله المستعان ..، وعليه التكلان ..

......................................

1. أنصح بهذه المناسبة بقراءة كتاب ( الرسول المعلِّم - صلى الله عليه وسلم - وأساليبه في التعليم ) ألفه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة - رحمه الله -

2 . أنظر في الفرق بينهما ما ذكره العلامة الألوسي - رحمه الله - في روح المعاني (8/ 274) عند تفسير قوله تعالى : { الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عِوجا } الكهف الآية: 1.


  [ أعدت نشره - مع تعديل يسير - يومه الثلاثاء 25  ذو الحجة 1440 ھ / الموافق ل 27 غشت 2019 م ]


        كتبه :
أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي الحسني - عامله الله بلطفه الخفي وكرمه الوفي -

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

** إيقاظ وتذكير لطلاب العلم : [ أسباب الشك في بعض كلام العلماء ! ]

** من علم التاريخ زاد عقله ..

مفهوم قوامة الرجل على المرأة (!)