// التذكير بمشاهد شرعية بسبب فاجعة السيول الجارفة بإقليم تارودانت ..

بسم الله الرحمن الرحيم


  // التذكير بمشاهد شرعية بسبب فاجعة السيول الجارفة بإقليم تارودانت ..


   لا يخفى عليكم - سلمكم الله من كل سوء - ما جرى في فاجعة السيول الجارفة بإقليم تارودانت ..، والتي آلمت نفوسنا..، وأحزنت قلوبنا ..، والله المستعان ..

   ولكي يَحْسُنَ - بتوفيق ربنا - موقفنا تجاه ما جرى ..، أحببت أن أذكر نفسي وإخواني بجملة من المشاهد الشرعية لابد من شهودها في ذلك وفي ما يشبهه من حوادث ليكون ارتباطنا في أحوالنا كلها بشرع ربنا - تبارك وتعالى  -..

        وإليكم المشاهد :

- مشهد القَدَر : فما حصل في هذه الفاجعة فهو بقدر الله تعالى، وشهود هذا واجب ..، ففي حديث أركان الإسلام : ".. وتؤمن بالقدر خيره وشره "..، ف [ الإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن آمن بالله وكذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده ! ]..، و " القدر قُدرة الله " كما قال الإمام أحمد - رحمه الله -

- مشهد التوحيد : ما حصل في هذه الفاجعة هو من مظاهر نقص وضعف البشر، وهذا نشهد عنده [ مشهد تفرد الله تعالى بالكمال المطلق ! ]، فهو - سبحانه - منزه عن كل نقص وضعف وعيب..

    قال تعالى : { يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد }

- مشهد الجزاء : من عظيم ما يجب شهوده أن ما يحصل لنا من مصائب فبسبب ذنوبنا ومعاصينا..، قال تعالى : { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير }

   قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله - في تفسير الآية  : " أي : مهما أصابكم أيها الناس من المصائب فإنما هو عن سيئات تقدمت لكم".

    وليس القصد توجيه هذا الكلام إلى أفراد معينين أو مَحَلّة معينة (!)، وإنما القصد التذكير العام لنا جميعا.. ، { وما أبرئ نفسي }..
 
    فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا المشهد الحَامِلِ له على التوبة النصوح، وليستغفر من ظنه بالله ظن السوء، وليظن السوء بنفسه ..

- مشهد الاعتبار : ف [ من اعتبر لزم الحذر ! ]، ولذا فعند كل فاجعة مؤلمة يجب علينا جميعا - من المسؤولين وغيرهم - أن نعتبر ..، ف [ من كثر اعتباره قل عثاره ! ]..

    قال تعالى : { فاعتبروا يا أولي الأبصار }.

    أي : فاتعظوا يا ذوي البصائر السليمة.. ، والعقول الراجحة..

- مشهد المسؤولية : لا شك أن مثل هذه الحوادث الأليمة وما يترتب عنها تستدعي أن يشهد من أنيطت بهم رعاية ما يجب رعايته فيما يتعلق بذلك مشهد المسؤولية ..، ف [ الله الله في شهود أمانة المسؤولية ! ]..

    قال عليه الصلاة والسلام كما في الحديث الصحيح : " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته "

   قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - عند هذا الحديث  : " قوله ( كلكم راع ) يعم جميع الناس فيدخل فيه المَرْعي أيضا.." الفتح 2/381.

- مشهد الصبر : ما جرى في هذه الحادثة الأليمة لا شك أنه يجب شهود مشهد الصبر عنده وهو [ حبس النفس عن الجزع والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى لغير الله، وحبس الجوارح عن التشويش ! ]..

    قال سبحانه : { واصبر صبرا جميلا }، والأرفع منه منزلةً " مقام الرضا " فهو [ جَنة الدنيا ومستراح العابدين ! ] ..

- مشهد الرحمة :  مع هذا الذي حدث فلا بد من شهود رحمة أرحم الراحمين..، قال تعالى : { إن الله بالناس لرؤوف رحيم }، كما يجب تحقيق التراحم فيما بيننا بالتآزر والتعاون والتعاطف .. حسب المستطاع ، قال تعالي : { وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة } ..

   ورحمة الله بعباده أعظم من رحمتنا ..

- مشهد المواساة : وهي من صور التراحم..، ومن أجل ما ينبغي شهوده في مثل هذه الحوادث..، وأقل مراتبها : [ المواساة القلبية ! ]..

     في الحديث عند الإمام مسلم قال عليه الصلاة والسلام : " والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ".

   قال إبراهيم بن أدهم - رحمه الله - : " المواساة من أخلاق المؤمنين " ..

- مشهد الدعاء : بأن نُخلص الدعاء بما يناسبُ .. للموتى والجرحى وللمفقودين ولذويهم في هذه الحادثة الأليمة، ومن صور الدعاء عند هذه الحال  : [ التعزية بالمأثور ! ]..

      وندعوَ الله تعالى لنا جميعا بالسلامة والعافية..، ف" الدعاء هو العبادة " كما في الحديث الصحيح.

   وعن أبي بكر الشبلي - رحمه الله - أنه قال في قوله تعالى : { ادعوني أستجب لكم } : " ادعوني بلا غفلة، أستجب لكم بلا مهلة" ! ( شعب الإيمان ).

- مشهد الذكر : مما ينبغي الحرص عليه في مثل هذه المصائب [ ذكر الله تعالى ! ]، فعند مسلم من حديث أم سلمة - رضي الله عنها - قالت : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله : (إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها) إلا أخلف الله له خيرا منها ".

   قال الإمام القرطبي - رحمه الله - في جامعه : " قوله تعالى : { قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون } جعل الله تعالى هذه الكلمات ملجأ لذوي المصائب، وعصمة للممتحنين، لِما جمعت من المعاني المباركة  ".

- مشهد الأجل : فوجود موتى في هذه الحادثة يستدعي منا أن نشهد [ مشهد الأجل ! ]، فلا مفر من الموت، فهو قَدَر حتمي اختلفت أسبابه ، قال تعالى : { فأصابتكم مصيبة الموت}

    فالواجب الاتعاظ من حدث الموت بالرجوع إلى الله تعالى ولزوم طاعته ..، ففي التذكرة للإمام القرطبي - رحمه الله - :" أنه قيل لبعض الزهاد : ما أبلغ العظات ؟ قال : النظر إلى الأموات ".

- مشهد الآخرة : ويتم هذا بشهود مشهد الأجر على المصائب في الآخرة ..، فإن البلايا من أسباب رفع الدرجات ..، إذ هي ك  [ الدواء ! ]..،  ففي الحديث الصحيح : " إن عِظم الجزاء مع عِظم البلاء .."

    قال الحسن البصري - رحمه الله - :" لا تكرهوا البلايا الواقعة، والنقمات الحادثة، فَلَرُبَّ أمر تكرهه فيه نجاتك، ولَرُبَّ أمر تؤثره فيه عطبك ".

- مشهد الرجاء : فمما نرجوه لموتى هذه الفاجعة : [ أن يكونوا شهداء عند الله تعالى ! ]، ففي الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام : " الشهداء خمسة : المطعون، والمبطون، و الغريق، وصاحب الهدم، و الشهيد في سبيل الله  ".

     وفي حديث في موطأ إمامنا مالك - رحمه الله - وغيره :" الشهداء سبعة.." ..

     وخصال الشهادة أكثر من هذه السبع كما قرر أهل العلم..
 
      قال العلامة ابن التين - رحمه الله - : " هذه كلها ميتات فيها شدة تفضل الله على أمة محمد - عليه الصلاة والسلام - بأن جعلها تمحيصا لذنوبهم ، وزيادة في أجورهم ، يبلغهم بها مراتب الشهداء " الفتح 6/44.

 - مشهد المنة : ينبغي علينا وعلى من سلمهم الله من هذه الفاجعة أن نشهد [ مشهد منة الله علينا بالسلامة والعافية ! ]..

    ولذا فطلبُ ذلك من المقامات السَنية..، ففي الحديث الصحيح من حديث أبي اليَسَر - رضي الله عنه - قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " اللهم إني أعوذ بك من التردي والهدم والغرق والحريق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرا، وأعوذ بك أن أموت لديغا" رواه الإمام النسائي وغيره، وصححه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود (1552).

- مشهد الشكر : كما ينبغي علينا وعلى من سلمهم الله من هذه الفاجعة أن نشهد مشهد منة الله علينا بالعافية..، ينبغي أن نشهد [ مشهد شكره تعالى على السلامة ! ] ..

    قال تعالى : { وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد }

    ومن صور الشكر عند هذا المشهد الامتثال لما جاء في الحديث الصحيح قوله عليه الصلاة والسلام : " من رأى مبتلى فقال : ( الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خَلق تفضيلا ) لم يصبه ذلك البلاء ".

    فاللهم ارحم موتانا، واشف جرحانا، وأرجع المفقودين إلى أهاليهم سالمين، وأفرغ على الجميع صبْرا ..


     كتبه [ يومه الجمعة 28 ذو الحجة 1440 ھ / الموافق ل 30 غشت 2019 م ] :

     أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي الحسني - عامله الله بلطفه الخفي وكرمه الوفي -

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

** إيقاظ وتذكير لطلاب العلم : [ أسباب الشك في بعض كلام العلماء ! ]

** من علم التاريخ زاد عقله ..

مفهوم قوامة الرجل على المرأة (!)