** أسباب الثبات على الحق ..

 بسم الله الرحمن الرحيم 


                                                                                                                   ** أسباب الثبات على الحق .. 


         [ من ثبت = نبت ! ] 


    

     موضوع الثبات على الحق له أهمية كبرى لأنه يُعد أصلا من الأصول التي عليها مدار الدين ..، وفي ذلك يقول الإمام ابن القيم - رحمه الله - :  ( إن الدين مداره على أصلين : العزم والثبات، وهما الأصلان المذكوران في الحديث الذي رواه أحمد والنسائي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - : " اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد" 1 ) عدة الصابرين 1/90. 


     فالثبات على الدين والحق - يا رعاكم الله - من صفات أهل الحق، فأهل الحق هم أعظم الناس صبرا على معتقداتهم ومنهجهم وأقوالهم  ..

     

     لما سأل هرقلُ أبا سفيان عن أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - في المدة التي مادَّ فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قريشا : " هل يرتد أحد منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه ؟ قال : لا؛ قال : وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشته القلوب " رواه البخاري.


      فالحق إذا استقر في نفس العبد وخالط بشاشة قلبه = ثبت وصبر (2)، فيصير  - بفضل الله تعالى - بمبعدة عن الانتكاسة عقديا، ومنهجيا، وفكريا وخُلقيا ..


      قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: "أما أهل السنة والحديث فما يعلم أحد من علمائهم ولا صالح عامتهم رجع قط عن قوله واعتقاده، بل هم أعظم الناس صبرا على ذلك، وإن امتحنوا بأنواع المحن، وفتنوا بأنواع الفتن، وهذه حال الأنبياء وأتباعهم من المتقدمين كأهل الأخدود ونحوهم، وكسلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين وغيرهم من الأئمة " الفتاوي 4/50. 


    وقد ذكر أهل العلم جملة من الأسباب تعين المرء - بعد توفيق الله - على الثبات على الحق منها :


أولا : تدبر القرآن ومدارسته والعمل بما جاء فيه .


     قال تعالى: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً } .


      فمن أعظم أسباب الثبات على الحق : [ الاعتصام بالقرآن علما وعملا ! ] لما اشتمل عليه من الترغيب والترهيب ، ولأنه يزيد في الإيمان، و يُبعد المرء عن الشبهات والشهوات والشكوك ، وكذا لاشتماله على القٓصص التي تبشر العبد وتثبته وتزيد في يقينه .


ثانيا: الاستجابة لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - بالحفاظ على التوحيد والحذر مما يناقضه ويقدح فيه ، والإتيان بالواجبات واجتناب المحرمات ..


       قال تعالى: { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً } .


    فالاستجابة لأمر الله تعالى والانتهاء عما نهى عنه يقوي قلب المؤمن فيكون أقدر على الثبات، وأكثر تمسكا بالحق حتى الممات.. 


     وسر ذلك لأن الاستجابة لله ورسوله - عليه الصلاة والسلام - : حياة لقلب المرء ولسائر أحواله وأموره، وذلك يُثبته عند عواصف الفتن والمحن .. 


     فالطاعات - وفقني الله وإياكم - أغذية لقلوب العباد، كما أن المعاصي سموم قاتلة، فعندما يلتزم العبد بأوامر الله تعالى، ويبتعد عمّا نهى الله عنه فإنه يكون قويا في مواجهة الفتن المضلة، وإذا كان مفرطا في اتباع شرع الله تعالى متهاونا في تنفيذه فإنه يكون ضعيفا أمام فتن الشبهات والشهوات، ومن أعطى أسباب الفتنة من نفسه أولا لم ينج آخرا، فـ [ إحكام البدايات = سلامة في النهايات ! ].. 


ثالثا: كثرة ذكر الله تعالى .. 


     لما أرسل الله - عز وجل - هارون وموسى - عليه السلام - إلى فرعون أوصاهما بقوله تعالى: { وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي} .


   وأمر الله - عز وجل - أهل الإيمان عند ملاقاة أعدائهم في الحرب بالإكثار من الذكر فقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ } .


     فكثرة الذكر تقوي القلب والبدن، فيُستعان بذلك على مواجهة الفتن والمحن والإحن ورد سهامها على التصورات والتصرفات ..، فـ [ كثرة الذكر - وفق السُنة - شعار أرباب الثبات على الحق ! ] .. 


رابعا: سلوك سبيل السلف الصالح في سائر أبواب الدين ... 


     مضى معنا قول شيخ الإسلام - رحمه الله - أن أهل السنة أعظم الناس صبرا على أقوالهم ومعتقداتهم، وهذا [ بخلاف أهل البدع ومن تأثر بهم فهم أكثر الناس شكا واضطرابا ! ] ، وما ذلك إلا لتنكبهم طريق السلف الصالح.


     فمنهج السلف منهج وسط معتدل قائم على العلم والإخلاص والصدق والصبر، مما يخول لأتباعه الثبات على الدين والصبر عليه ولو عصفت الفتن المضلة وتنوعت .. 


خامسا: (كثرة) نوافل الطاعات .. 


    في الحديث القدسي الصحيح قال الله تعالى: "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولإن سألني لأعطينه ولإن استعاذني لأعيذنه".


     فـ [ العبد الذي يتقرب إلى الله عز وجل بالنوافل بعد استكمال الفرائض يوفقه الله عز وجل لكل خير، ويصرف عنه كل شر، وتصير جوارحه مشغولة بما يرضاه الله ! ] ، فترتفع رتبته إلى درجة عٓلية، بحيث إذا سأل الله تعالى أجابه، وإذا استعاذ به أعاذه، وهذه من أسباب الثبات على الحق التي يتفضل بها رب العالمين على الصالحين  .. 


سادسا: القرب من العلماء وطلبة العلم النجباء والعناصر المخلصة الصادقة المثبتة، فإن ذلك له تأثير نافع عظيم (3).


     فـ [ مجالسة أهل العلم والفضل تزيد الإيمان وتثبت الأقدام ! ].. 


    قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - واصفا شيخه ابن تيمية - رحمه الله - بقوله: "وعلم الله ما رأيت أحدا أطيب عيشا منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم بل ضدها، وما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشا، وأشرحهم صدرا، وأقواهم قلبا، وأسرهم نفسا، تلوح نضرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله وينقلب انشراحا وقوة ويقينا وطمأنينة" الوابل الصيب ص : 48. 


سابعا: الثقة بنصر الله وبوعده.. 


   فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبث عوامل الثقة في نفوس أصحابه - رضي الله عنهم - ، وكان القرآن يتنزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة يعذبون في ربوع مكة يبشرهم بالنصر والتمكين، كما نزل على النبي - عليه الصلاة والسلام - بمكة قوله تعالى: { سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ } ، وقال تعالى: { وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}. 


     فـ [ الثقة بنصر الله تعالى و وعده يشرح الصدر ويثبت المرء على الحق ! ].. 


ثامنا: دعاء الله تعالى والتضرع إليه.. 


     فـ [ الدعاء من أعظم أسباب الخير في الدنيا والآخرة ! ] ..


     فالمؤمن إذا تعرض للفتن المضلة والابتلاء فأول ما ينبغي أن يتبادر إلى ذهنه وقلبه ويحرص عليه : التضرع إلى الله تعالى الذي بيده مقاليد كل شيء، فانظر إلى الغلام في قصة أصحاب الأخدود وقد لجأ إلى الله تعالى داعيا بقوله: " اللهم اكفنيهم بما شئت ".. 


     وهذا لأن العبد المؤمن الصادق ثقته بالله تعالى كبيرة، ولذا يلجأ إليه داعيا متضرعا .. 


     فالدعاء عند اشتداد الأزمات وحلول الفتن المضلات غالبا ما يكون دعاء اضطرار إلى الله تعالى .. 


    والله تعالى يقول: {  أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } .


تاسعا: تعلم العلم النافع.


   فلا شك أن [ العلماء هم أقوى الناس في مواجه فتن الشبهات والشهوات ! ] كما قال الحسن البصري - رحمه الله -: " إذا أقبلت الفتنة عرفها كل عالم، وإذا أدبرت عرفها كل جاهل".


   وقد وصف الله تعالى أهل المعاصي بالجهل في كتابه.. 


    قال تعالى : { قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ }. 


     فظهر أن العلم النافع من أعظم أسباب الثبات كما أن الجهل من أعظم أسباب الفتنة، فأهل الجهل عند مباشرتهم للأمور بعقولهم و أقوالهم وتصرفاتهم يصيروا وقودَ كل محنة وبليَّة بخلاف أرباب الفقه في الدين على وجهه الصحيح، ومسلكه المليح . 


 عاشرا : الصدق مع الله ..


    قال تعالى : { والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون }. 


     وقد قيل : [ أُصْدُق الله يَصْدقك ! ] ..


    ولذا من شهد مشهد الصدق بأوجهه ..حفظه الله من الفتن المضلة ظاهرها وباطنها ..، و رزقه الثبات على الحق ..


     قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في الفتح 6/557 : " صاحب الصدق مع الله تعالى لا تضره الفتن " .



       فالله الله في الأخذ بأسباب الثبات على الحق، فـ [ من ثبت = نبت ! ].. 



......................... 


1. أنظر ( الصحيحة) / 3228. 


2. والكلام عن [ الثبات الذي هو صحة العقد ! ] ، لا عن [ الثبات الذي هو اللجاج ! ] .. فتنبه؛ وانظر في الفرق بينهما ( مداواة النفوس ) للإمام ابن حزم - رحمه الله - ص : 57. 


3. ويتبع هذا السبب : قراءة تراجم السلف الصالح والأئمة وأهل العلم والفضل ..، فمما يستفاد من تراجمهم : الثبات على الحق (!).. 


  


      كتبه  [ يوم الأحد 1 ربيع الأول 1442 هـ / الموافق لـ 18 أكتوبر 2020 م ] :


      أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي الحسني - عامله الله بلطفه الخفي وكرمه الوفي -

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

** إيقاظ وتذكير لطلاب العلم : [ أسباب الشك في بعض كلام العلماء ! ]

** من علم التاريخ زاد عقله ..

مفهوم قوامة الرجل على المرأة (!)