** أسس النظر في تاريخ وأحوال الصحابة الكرام - رضي الله عنهم –

 بسم الله الرحمن الرحيم


 


         ** أسس النظر


في تاريخ وأحوال الصحابة الكرام  -  رضي الله عنهم –


 

   مع [ الإفلاس العلمي ! ] ، بل ( العِوج الفكري )!!، لا يَلِد " رحم الفكر " إلا مقالات باطلة ..، وكلمات عاطلة ..، اعتمد أصحابها على مجرد بعض المعلومات العرجاء لا العلم .. ، واستعانوا ببعض النقولات البتراء مع سوء الفهم ..


   هذا ما تلمسه لمس اليد في كتابات - وكذا مقولات - ( تتسبب ) في حمل معاول الطعن في الصحابة الكرام – رضي الله عنهم - ، والإطاحة برموز الفخر والشرف والعزة في أمة الإسلام ، في زمن ( صعاليك الكتابة )! وفي وقت " بات القَلم قُلامة، والقُلامة قَلما " !! ، - إلا من وفقهم الله ورحمهم - ، فـالـ " قلم بلا علم حركة عابث "1..


      إنها أقلام وألسنة فتحت باب التطاول على الأصول الشرعية، والأسس المرعية، وخاضت غمار البحث والنظر في أحوال وتاريخ الصحابة الكرام - رضي الله عنهم - دون [ ميزان شرعي ! ] ..، ولا [ قانون علمي ! ] ..، ولا [ منهج أثري ! ] ..، على طريقة " المنهج الموضوعي " وِفق سنن الغربيين (!!)، والذي يعني " بحث الموضوع بحثا عقليا مجردا، بعيدا عن العقائد الإسلامية، والقواعد الدينية ! "2 كل ذلك تحت مضلة البحث والنقد العلمي زعموا (!)، وهو منهج فاسد يؤدي إلى إسقاط الدعائم الشرعية..، والحقائق الربانية ..


  اعلموا – يا رعاكم الله - أنه " لو لم يكن لرسول الله - عليه الصلاة والسلام - معجزة إلا أصحابه لكفوه في إثبات نبوته" كما قال الإمام القرافي المالكي - رحمه الله - نقلا عن بعض الأصوليين 3.


  ومن هذا المنطلق، فالتاريخ عموما، وتاريخ الصحابة - رضي الله عنهم - خصوصا " ليس مجرد سرد للحوادث، بل هو تفسير لتلك الحوادث وتقويم لها، ومن ثم أصبح التاريخ أحد الأسلحة التي تستخدم في مجال التوجيه وصياغة الأفكار ونشر المذاهب وتأييدها، كما أنه أصبح يأخذ دوره في الصراع العقائدي بين الأمم، ولهذا لابد من دراسته وفق منهج معين " 4.


    وعليه؛ قرر العلماء - رحمهم الله تعالى - عند النظر في تاريخ الصحابة الكرام - رضي الله عنهم - وأحوالهم ضرورة مراعاة جملة من الأسس يجب اعتمادها حتى لا يضل الجنان، ويسوء اللسان، وتنحرف الأقلام، وتزل الأقدام، فإن للصحابة - رضي الله عنهم - علو المقام، كما هو مقرر في عقائد أهل السنة والوئام، وعند عموم أهل الإسلام. 


   ولذا " اتفق العلماء على أن خير القرون قرنه - عليه الصلاة والسلام - والمراد أصحابه "5. 


     ومن دلائل آي الكتاب في ذلك قوله تعالى: { قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى } .


    قال شيخ الإسلام - رحمه الله -:" قال طائفة من السلف : هم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -.

   ولا ريب أنهم أفضل المصطفين من هذه الأمة "6.


    وأفضلهم الخلفاء الراشدون - رضي الله عنهم - فإن " خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر كما تواتر ذلك عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب موقوفا ومرفوعا وكما دل على ذلك الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة وأئمة العلم والسنة، وبعدهما عثمان وعلي "7.


   وأول الأسس فيما نحن بصدده : أن يعلم أن الكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل وإنصاف، فكيف في حق الصحابة الكرام الأكياس - رضي الله عنهم - (!) . 


    ففي ذلك السلامة من حال أهل البدع الذين تلبس بهم الوسواس الخناس، فقرروا فاسد الاعتقاد، وكاسد الرأي بزعم رفع الإيهام والالتباس (!!!).


    فليعلم أن " فضيلة الصحبة ولو لحظة لا يوازيها عمل ولا تنال درجتها بشيء، والفضائل لا تؤخذ بالقياس، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء "8.


    قال شيخ الإسلام - رحمه الله - :" والكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل لا بجهل وظلم كحال أهل البدع "9.


ثانيا: استحضار عدالة الصحابة - رضي الله عنهم - أجمعين، فقد " اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة "10.


   وتقرير هذا لا يلزم منه إثبات العصمة لهم كما يظن بعض الناس (!!)، بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة، وهذا بدوره لا ينافي العدالة لأن " من قواعد الشرع والحكمة أيضا أن من كثرت حسناته وعظمت، وكان له في الإسلام تأثير ظاهر فإنه يحتمل له ما لا يحتمل لغيره، ويعفى عنه ما لا يعفى عن غيره، فإن المعصية خبث، والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، بخلاف الماء القليل فإنه يحمل أدنى خبث يقع فيه..."11. 


    وفي هذا السياق قيل :" إنما العبرة بكثرة المحاسن "12، وأن " العبرة بكمال النهاية لا بنقص البداية "13.


    يقول الإمام الذهبي - رحمه الله -:" فالقوم لهم سوابق وأعمال مكفرة لما وقع بينهم، وجهاد محَّاء، وعبادة ممحصة، لسنا ممن يغلو في أحد منهم، ولا ندعي فيهم العصمة "14.


ثالثا : الكلام عما شجر بين الصحابة - رضي الله عنهم - ليس هو الأصل، بل الأصل الاعتقادي المقرر هو الكف عن ذلك مصداقا لقوله عليه الصلاة والسلام : " إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكر النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا "15.


    فـ" لم يأمرهم بالإمساك عن ذكر محاسنهم وفضائلهم، إنما أمروا بالإمساك عن ذكر أفعالهم وما يفرط منهم في ثورة الغضب وعارض الموجدة "16.


    قال الإمام الذهبي - رحمه الله - في معرض حديثه عن الصحابة - رضي الله عنهم  : " .. بل سبيلنا أن نستغفر للكل ونحبهم، ونكف عما شجر بينهم" 17.


 رابعا: إذا دعت الحاجة الشرعية إلى ذكر ما شجر بينهم، فلا بد من التحقق والتثبت من الروايات المذكورة في ذلك، مع التنبه إلى أنه " من أسندك فقد حَمَّلك "، لأنه ومع الأسف الشديد نجد بعض ( الباحثين ! ) بلا تأصيل مبين ، وغيرهم من أرباب ( الصحافة ) بدون حصافة  ينتقون الأخبار في هذا الباب خاصة حسب آرائهم وميولهم (!)، ويأخذون الروايات الموضوعة أو الضعيفة التي تخدم مذاهبهم وتوجهاتهم (!!)..


ورحمة الله على الإمام ابن المبارك لما قال :" الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء " 18.


     وقال الحاكم - رحمه الله - معلقا : " فلولا الإسناد وطلب هذه الطائفة له، وكثرة مواظبتهم على حفظه لدرس منار الإسلام، ولتمكن أهل الإلحاد والبدع بوضع الأحاديث وقلب الأسانيد، فإن الأخبار إذا تعرت عن وجود الأسانيد كانت بتراء " 19


خامسا : تقرير أن ما شجر بينهم بعد ثبوته في ميزان النقد العلمي الحديثي، فهم فيه مجتهدون، لذا " اتفق أهل السنة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من ذلك، ولو عرف المحق منهم، لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد وقد عفا الله تعالى عن المخطئ في الاجتهاد، بل تبت أنه يؤجر أجرا واحدا، وأن المصيب يؤجر أجرين "20.


    قال الإمام النووي - رحمه الله - :" واعلم أن سب الصحابة - رضي الله عنهم - حرام من فواحش المحرمات، سواء من لابس الفتن منهم وغيره، لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون "21.


سادسا : العلم بأن الصحابة - رضي الله عنه - في خصوص ما وقع بينهم من فتن – مع اجتهادهم في الأمر – أصابهم بَعْدُ  بسبب ذلك حُزن شديد وندم، بل لم يخطر ببالهم أن الأمر سيصل إلى ما وصل إليه، حتى أن بعضهم  كان يتأثر التأثر البليغ حين يبلغه مقتل أخيه.


    فهذه أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - تقول فيما رواه الزهري - رحمه الله - :" إنما أريد أن يحجز بين الناس مكاني، ولم أحسب أن يكون بين الناس قتال، ولو علمت ذلك لم أقف ذلك الموقف أبدا "23.


سابعا : الواجب في خصوص الروايات التي صحت عن الصحابة وأحوالهم وتاريخهم، وكان ظاهرها القدح - على قِلَّتِها (!) - ، أن يلتمس لهم فيها أحسن المخارج والمعاذير.


   قال الإمام ابن أبي زيد القيرواني المالكي - رحمه الله -  عند تقرير عقائد أهل السنة : ".. وأن خير القرون القرنُ الذين رأوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآمنوا به، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. وأفضل الصحابة - رضي الله عنهم - الخلفاء الراشدون المهديون : أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي - رضي الله عنهم أجمعين -. 

    ويجب أن لا يُذكَرَ أحد من صحابة الرسول إلا بأحسن ذكر، والإمساك عما شجر بينهم، وأنهم أحق الناس أن يُلتمس لهم أحسن المخارج، ويظن بهم أحسن المذاهب "23.


.......................................


 1. مفتاح دار السعادة للإمام ابن القيم - رحمه الله - 1/297.


2. انظر منهج كتابة التاريخ للعلياني ص : 138.


3. الفروق 4/170.


4. منهج دراسة التاريخ الإسلامي لمحمد أمحزون ص : 21.


5. شرح صحيح مسلم للنووي - رحمه الله - 16/94.


6. منهاج السنة 1/156.


7. مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية - رحمه الله - 1/46.


8. شرح صحيح مسلم للنووي - رحمه الله - 16/93.


9. منهاج السنة 4/337.


10. الإصابة للحافظ ابن حجر - رحمه الله - 1/17.


11. مفتاح دار السعادة لابن القيم - رحمه الله - 1/529.


12. سير أعلام النبلاء 20/46.


13. قالها شيخ الإسلام - رحمه الله - في منهاج السنة 8/412.


14. سير أعلام النبلاء 10/93.


15. أخرجه الإمام الطبراني في الكبير 2/78، والإمام أبو نعيم في الحلية 4/108، وقواه الإمام الألباني - رحم الله الجميع - بطرقه وشواهده في السلسلة الصحيحة 1/34.


16. الإمامة لأبي نعيم - رحمه الله - ص : 347.


17. سير أعلام النبلاء 7/369. 


18. رواه مسلم.


19. معرفة علوم الحديث ص : 6.


20. الفتح للحافظ ابن حجر - رحمه الله - 13/34.


21. شرح مسلم 16/93.


22. مغازي الزهري ص : 154.


23 .الرسالة –المقدمة – ص :  32.



 

     كتبه  [ يوم الخميس 5 ربيع الأول 1442 هـ / الموافق لـ 22 أكتوبر 2020 م ] : 


     أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي الحسني - عامله الله بلطفه الخفي وكرمه الوفي -

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

** إيقاظ وتذكير لطلاب العلم : [ أسباب الشك في بعض كلام العلماء ! ]

** من علم التاريخ زاد عقله ..

مفهوم قوامة الرجل على المرأة (!)