** الأنس بالله تعالى ..

بسم الله الرحمن الرحيم


       ** الأنس بالله تعالى ..

[ كل طائع مستأنس، و كل عاص مستوحش ]


   من أبرز العلامات الدالة على صحة القلب و سلامته : أن صاحبَه يأُنس بالله و طاعتِه و ذكرِه سبحانه.​

   قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - : " و من علامات صحة القلب : أن لا يفتر عن ذكر ربه، و لا يسْأَمَ من خدمته، و لا يأنَس بغيره، إلا بمن يَدُلُّه عليه، و يُذَكِّرُه به، و يُذَاكِرُه بهذا الأمر" إغاثة اللهفان.​

    فالأنس بالله تعالى روح القرب منه جل و علا، و الأنس بالله تعالى حالةٌ وجدانية تحمل على التنعُّم بعبادة الرحمن، و الشوق إلى لقاء ذي الجلال و الإكرام ..​

    قال أحد السلف : " مساكين أهل الدنيا، خرجوا من الدنيا و ما ذاقوا أطيب ما فيها . قيل: و ما أطيب ما فيها ؟ قال : محبة الله و الأنس به و الشوق إلى لقائه، و التنعم بذكره و طاعته".​

   و كما أنه لا نسبةَ لنعيمِ ما في الجنة إلى نعيم النظر إلى وجهه الأعلى سبحانه، فلا نسبةَ لنعيم الدنيا إلى نعيم محبته و معرفته و الشوق إليه و الأنس به، بل لذة النظر إليه سبحانه تابعة لمعرفتهم به و محبتهم له، فإن اللذة تَتْبَع الشعورَ و المحبةَ، فكلما كان المُحب أعرفَ بالمحبوب و أشد محبة له كان التذاذه بقُربه و رؤيته و وصوله إليه و أنسِه به أعظم.​

    فالأنس بالله مقام عظيم من مقامات الإحسان الذي قال عنه النبي عليه الصلاة و السلام في الحديث الصحيح: " أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".​

  قال أحد السلف : " من عمل لله على المشاهدة فهو عارف، و من عمل على مشاهدة الله إياه فهو مخلص".​

    قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله - تعليقا على الحديث و الأثر :" فهذان مقامان : أحدهما : الإخلاص و هو أن يعمل العبد على استحضار مشاهدة الله إياه و اطلاعِه عليه و قربِه منه.
الثاني : أن يعمل العبد على مشاهدة الله بقلبه و هو أن يتنور قلبه بنور الإيمان"  استنشاق نسيم الأنس من نفحات رياض القدس .

   يشير ابن رجب - رحمه الله - بكلامه هذا إلى منزلة المراقبة و مقام المشاهدة أو المعاينة كما يسميه بعض أهل العلم.

  ف [ المشاهدة ] ناتجة عن معاينة آثار أسمائِه و صفاتِه تعالى في الكون، بحيث يترتّب عن ذلك تنوُّر القلب و تعلُّقه بالرب، و هذه المنزلة هي التي قال عنها النبي عليه الصلاة و السلام:" أن تعبد الله كأنك تراه" فهي رؤية حُكمية.​


   أما [ المراقبة ] فهي العلم و اليقين باطلاع الحق سبحانه على ظاهر العبد و باطنه، و هي التي قال فيها عليه الصلاة و السلام:" فإن لم تكن تراه فإنه يراك ".​

   قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله - بعد كلامه السابق : " يتولد عن هذين المقامين : الأنس بالله و الخلوة لمناجاتِه و ذِكرِه و استثقال ما يشغل عنه من مخالطة الناس و الاشتغال بهم" استنشاق نسيم الأنس من نفحات رياض القدس .

   فمنزلة المراقبة إذا تحققت في العبد حصل له الأنس بالله تعالى.

   قال العلامة ابن الجوزي - رحمه الله - : " متى تحققت المراقبة حصل الأنس" صيد الخاطر.

   و وجه ذلك أنه إذا حصلت المراقبة يحصل القرب من الرب سبحانه، و القُربُ منه جل و علا =  ( يوجب الأنسَ ) .

    قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - : "و القرب يوجب الأنس و الهيبة و المحبة" مدارج السالكين.

   و قال كذلك - رحمه الله - : " و قوةُ الأنس و ضَعفه على حسب قوة القرب، فكلما كان القلب من ربه أقرب كان أُنسُه به أقوى، و كلما كان منه أبعد كانت الوحشة بينه و بين ربه أشد " المدارج.​

   و إذا ارتقى العبد إلى تحقيق مقام المشاهدة و المعاينة لآثار أسمائه و صفاته في الكون بحيث يتنور قلبه حصل الأنس، و وجهه أن منشأ الأنس بالله تعالى و مبدؤه : [ التعبُّد بمقتضى أسمائه تعالى و صفاته بعد التفهم لمعانيها ! ] .

   قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - : " هذا الأنس المذكور مبدؤه الكشف عن أسماء الصفات التي يحصل عنها الأنس و يتعلق بها كاسم الجميل، و البر ، و اللطيف، و الودود، و الحليم، و الرحيم، و نحوها " المدارج.​

   قال ابن عطاء - رحمه الله - : " المعرفة على ثلاثة أركان : الهَيْبة، و الحياء، و الأنس".​

   وزيادة في الإيضاح أقول : أن التَّفَهُّم لمعاني الأسماء و الصفات يَحمِلُ العبدَ على معاملة ربه بالمحبة و الرجاء و غيرِهِما من أعمال القلوب.

   قال العز بن عبد السلام -رحمه الله - : " فَهْمُ معاني أسماءِ الله تعالى وَسيلةٌ إلى معاملته بثمراتها من: الخوف، و الرجاء، و المهابة، و المحبة، و التوكل، و غيرِ ذلك من ثمرات معرفة الصفات " شجرة المعارف و الأحوال.​

  و قال العلامة السعدي - رحمه الله - : "إن معرفة الله تعالى تدعو إلى محبته و خشيته و رجائِه و إخلاص العمل له، و هذا عَيْنُ سعادة العبد، و لا سبيل إلى معرفة الله إلا بمعرفة أسمائه و صفاته، و التَّفَقه في فهم معانيها " تيسير الكريم الرحمن.​

    و تحقُّقُ كلٍّ من الرجاء في الله الذي يحمِل على الطَّمَع في الوصول إليه تعالى ، و تحقيق مقام المحبة الذي يحمل على الشوق إليه سبحانه و غيرهما مما يتولد عن التفهم للأسماء و الصفات و التعبد بمقتضى ذلك كما مر قريبا سبيل إلى =  [ الأنس و الاستئناس بالله ! ] .

   و بناء على ما سبق فالعبد إذا ارتقى بالعلم النافع و العمل الصالح إلى مقام الإحسان و استقرت قَدَمُه فيه أَنِسَ بالله تعالى و اِلْتَذَّ بطاعته و ذكره.​

    قال العلامة السعدي - رحمه الله - مقررا ذلك في منظومته واصفا أهلَ السير إلى الله و الدار الآخرة :​

عبدوا الإلهَ على اعتقاد حضوره **** فتبوَّءوا في منزل الإحسان​

    ثم قال شارحا - رحمه الله - : " و هذه المنزلة من أعظمِ المنازل و أجلِّها، و لكنها تحتاج إلى تدريج للنفوس شيئا فشيئا.
   و لا يزال العبد يُعَوِّدُها نفسَه حتى تَنجَذِبَ إليها و تعتَادَها فيعيشَ العبدُ قريرَ العين بربِّه، فَرِحًا مسرورا بقُربه".​

   و لذا فإن الأنسَ بالله تعالى ثمرةُ الطاعات و التقرب إلى رب الأرض و السماوات كما قال ابن القيم رحمه الله : " فكل طائع مستأنس، و كل عاص مستوحش كما قيل:​

فإذا كنت قد أوحشَتك الذنو **** بُ فدعها إذا شئت و استأنس "  المدارج.​

و قال ابن الجوزي - رحمه الله - :"..إنما يقع الأنس بتحقيق الطاعة لأن المخالفةَ توجب الوحشةَ و الموافقة مبسطة المستأنسين، فيا لذةَ عيشِ المستأنسين، و يا خسارةَ المستوحشين" صيد الخاطر.​

   قيل للعابد الرباني وهيب بن الورد - رحمه الله - : هل يجد طعم العبادة من يعصيه؟ قال: "لا، و لا من يهم بالمعصية".​

   و كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: " من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية".​

     و عليه كان السلف الصالح الكرام، و الأئمةُ الأعلامُ يتشوَّقون إلى فعل الطاعات، و يَحرصون على تقديم القُرْبات لرب الأرض و السماوات، و لا يسأمون من العبادات لأنسهم برب البريات.​

    قال الوليد بن مسلم رأيت الأوزاعي يثبت في مصلاه يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس.​

و هذا عامر بن عبد القيس التابعي لما أدرك في هذه الحياة الأنس بالطاعة بكى عند احتضاره، فقيل له ما يبكيك ؟ قال: لا أبكي خوفا من الموت أو جزعا منه و لا حرصا على الدنيا، قال: أبكي على ظمأ الهواجر و قيام الليل.​

و سُئل الشعبي عن الإمام الأسود بن يزيد النخعي فقال: كان صواما قواما حجاجا.​

و هذا أبو عائشة الإمام التابعي مسروق بن الأجدع كان يصلي حتى تتورم قدماه.
    قالت زوجته: فربما جلست أبكي مما أراه يصنع بنفسه.
    و لما حضرته الوفاة قال: ما آسى على شيء إلا على السجود لله تعالى.​

   و قال عطاء: رأيت مُصَلَّى مُرَّةَ الهمداني مثل مَبْرَكِ البعير.
     إنه التابعي الجليل مرة الطيب، و يقال مُرَّةُ الخير لعبادته و خيره و علمه.
    قال الذهبي عنه : بلغنا أنه سجد لله تعالى حتى أكل التراب جبهته.​

    و اعلم – عبدَ الله – أنه من علامات مرض القلوب، و ضعف التعلق بعَلَّام الغيوب عدم طاعة الله بالاستئناس، مع الأنس بالناس.

  قال أحد السلف :" علامة الإفلاس الاستئناس بالناس".​

    قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - :" من فقد أنسَه بالله بين الناس و وجده في الوحدة فهو صادق ضعيف، و من وجدَه بين الناس و فقده في الخلوة فهو معلول، و من فقده بين الناس و في الخلوة فهو ميت مطرود، و من وجده في الخلوة و في الناس فهو المحبُّ الصادق القوي في حاله" الفوائد.​

    فاحرص على بلوغ منزلة الإحسان وِفْقَ العلم الأثري، و الهَدْيِ النبوي، حتى تُرزَق الأنسَ عند الطاعات، و لا تستوحشَ إذا خلوت بذكر رب الأرض و السماوات، فليس العَجَبُ ممن لم يأنس بالله و لم يُرزَق التوفيق، و إنما العَجَب ممن أدرك ذلك و انحرف عنه إلى بُنَيَّات الطريق .


       كتبه :[ 24 رمضان 1440/ الموافق ل: 2019/05/29]
أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي الحسني المغربي - عامله الله بكرمه الوفي -

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

** إيقاظ وتذكير لطلاب العلم : [ أسباب الشك في بعض كلام العلماء ! ]

** من علم التاريخ زاد عقله ..

مفهوم قوامة الرجل على المرأة (!)