** فقه غائب ( ! ) ..

بسم الله الرحمن الرحيم

        ** فقه غائب ( ! ) ..

    سياسة العلم أكثر تعقيدا وصعوبة من مجرد جمعه ، بل وأصعب حتى من إتقانه في ذاته وإجادة فهمه ..

     ومن صوره : ( ضبط السكوت في محال معينة كانت دعوية أو منهجية أو سياسية ... ) ! ..

     قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - : " فتارة يصلح الأمر ، وتارة يصلح النهي ، وتارة لا يصلح أمر ولا نهي ، حيث كان المعروف والمنكر متلازمين ، وذلك في الأمور ( المعينة الواقعة )! " الفتاوي 28/130.

    وقال كذلك - رحمه الله - : " العالم تارة يأمر ، وتارة ينهى ، وتارة يبيح ، وتارة ( يسكت )! عن الأمر أو النهي أو الإباحة " الفتاوي 20/58.

    فمن سياسة العلم - إذن - السكوت في حالات ليس للكلام عندها مستساغ شرعي ..كما قيل : " إن من المسائل مسائل جوابها السكوت "! ..

   استر العي ما استطعت بصمت *** إن في الصمت راحة للصموت
واجعل الصمت إن عييت جوابا *** رب قول جوابه في السكوت

    فمع الأسف الشديد أننا في وقت ابتلي فيه كثير من النخبة (!!)  - فضلا عن غيرهم - بالخروج عن سمت أهل العلم الكرام ب " التعليق عند كل مقام "!! ، والتلبس ب " شهوة الكلام "!! ، ببذل القول على عجل ومن غير نظر ، وفي جل الأشياء ( !) ، فيا لها من فتنة وبلاء .

       واعلم - يا رعاك الله - أنه ليس كل سكوت ( خوفا من الخلق )! ، ولا كل كلام ( صدعا بالحق )! ، فقد يكون السكوت هو " حقيقة الديانة "! ، والكلام هو " عين الخيانة " ! فتحلى بالتؤدة والرزانة .. ، وإياك ومما يعتذر منه لتمطي جواد الكياسة  ..

أنت من الصمت آمن الزلل *** ومن كثير الكلام في وجل
لا تقل القول ثم تتبعه *** يا ليت ما كنت قلته لم أقل

    قال الإمام الشاطبي - رحمه الله - في سياق الحديث عن البيان والتبليغ : " وضابطه أنك تعرض مسألتك على الشريعة ، فإن صحت في ميزانها ؛ فانظر في مآلها بالنسبة إلى حال الزمان وأهله ! ، فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة ، فاعرضها في ذهنك على العقول ، فإن قبلتها فلك أن تتكلم فيها ، إما على العموم إن كانت مما تقبلها العقول على العموم ، وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم ، و ( إن لم يكن بمسألتك هذا المساغ ، فالسكوت عنها هو الجاري على وفق المصلحة الشرعية والعقلية ) " الموافقات 4/190.

    ومظاهر السكوت المطلوب والمحمود متعددة ومتنوعة ..، لكن جماع ( فقه ) ذلك في الآتي:

 يلزم السكوت  :

- إذا ترتب على الكلام مفسدة مساوية أو راجحة ..
- إذا كان الكلام سيفوت مصلحة راجحة ..
- إذا كان المقام مقام اشتباه ..
- إذا انعدم التمكن و انعدمت القدرة ..
- إذا انعدم العلم في مسألة أو ضعف ..
- إذا كان المقام مقام تعارض بين الأدلة عند الناظر ..
- إذا كان الحال أو الزمان أو المكان غير مناسب للكلام ..
- عما هو شر أ بحتمل أنه كذلك حالا ومآلا ..
- و (يجوز )! السكوت عندما تتحقق الكفاية بكلام غيرك ..

     فلا تظنن - يا رعاك الله - أن الكلام الذي يجب السكوت عنه ما كان باطلا في ذاته (!) ..، فقد يكون حقا في ذاته ...لكن يجب السكوت عنه لاعتبارات سبقت ..، ولذا فرق أهل العلم بين ( الصحة ) و( الصلاحية ) ...فليس بالضرورة إذا كان الكلام ( صحيحا ) في ذاته ( يصلح ) قوله أو كتابته ونشره دون مراعاة حال ولا مآل (!!) ..

    فما أحوجنا إلى ( فقه السكوت )! ..؛ هذا الفقه الغائب عند الكثيرين بجملة من الدعاوى ..التي لا حقيقة لها شرعية ولا واقعية ...، فالعبرة بالاعتماد على النقل المصدق ، والعلم المحقق ، وما سوى ذلك فهذيان مزوق ..

      حكى القاضي عياض - رحمه الله - في كتابه المدارك ( 1/ 614 - باختصار ) : " أن سُحنون وصاحبيه - عون بن يوسف وابن رشيد - دخلوا على أسد بن الفرات ، فسألهم عن مسألة ؟ فابتدر لجوابه صاحبا سُحنون ، و ( سكت سُحنون )! ، فلما خرجوا قال له صاحباه : لم لم تتكلم ؟ فقال سُحنون : ظهر لي أن جوابكم خطأ ، وبين لهما ذلك ، فقالا : لم لم تتكلم بهذا عنده ؟ فقال : خشيت أن ندخل عليه ونحن أصدقاء ، ونخرج ونحن أعداء "

     قال القاضي عياض - رحمه الله - معلقا : " و (سكت) سُحنون حين علم أن القضية لا يفوت أمرها ، ولو علم ذلك لبادر بما ظهر له " .

وأنبه في الختام أن استشعار مسؤولية الكلام وضبط ( فقه السكوت ) يشمل اللسان بنوعية : اللسان الذي هو الجارحة .. و اللسان الذي هو القلم كذلك خاصة في ظل وسائل التواصل التي ينشر بها الكلام بسرعة فائقة .." فإن القلم أحد اللسانين ، فاحفظ القلم عما يجب حفظ اللسان عنه " بداية الهداية ص : 16 .

        فالقلم أمانة في عنق حامله لا ينبغي أن يستعمله إلا في الحق بشرطه وضابطه ..، فإساءة استعمال القلم كإساءة استعمال السلاح ..، كلامها يُفضي إلى الدمار في العقول والنفوس ..

      فما أحوج كثيرا من الألسن إلى الحجر ، وكثيرا من الأقلام إلى الكسر ، لسوء استخدامها ، وعدم ضبط استعمالها ، خاصة زمن المحن والإحن ...، فإن " الفتن كواشف "!! ..

  والله المستعان ..، وعليه التكلان ..


       كتبه :[ 09 رمضان 1440/ الموافق ل: 2019/05/14]
أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي الحسني المغربي - عامله الله بكرمه الوفي -

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

** إيقاظ وتذكير لطلاب العلم : [ أسباب الشك في بعض كلام العلماء ! ]

** من علم التاريخ زاد عقله ..

مفهوم قوامة الرجل على المرأة (!)